صرامته، وأنه إذا وقع في أمر مضي فيه [1] ، وأما فيما يتعلق بمن يريد شق عصا المسلمين والخروج عليهم، فقد اتبعه معهم أسلوب الحوار والمناظرة ـ وهم الخوارج الذين ثاروا ضد بني أمية بقيادة شوذب الخارجي 100هـ ليقف على ما دفعهم إلى ذلك ويرى إن كان الحق معهم نظر في أمره، وإلا فليدخلوا فيما دخل فيه الناس، إلا أنه في الوقت نفسه قرن إجراءاته تلك بشيء من الحزم والصلابة، عندما يصل الأمر إلى مرحلة سفك دماء المسلمين أو الإفساد، إذ كتب إلى عامله على العراق يقول: ألا تحركهم إلا أن يسفكوا دمًا، أو يفسدوا في الأرض، فإن فعلوا فخل بينهم وبين ذلك، وانظر رجلًا طيبًا حازمًا فوجهه إليهم، ووجه معه جندًا، وأوصه بما أمرتك به [2] ، وهكذا كان عمر في حزمه، فقد أخذ الإجراءات والمواقف الحازمة والتي كانت على درجة كبيرة من الأهمية والحساسية وكان لذلك الحزم مردودًا إيجابيًا كبيرًا على سير الأمور وتنفيذ ما كان يسعى لتحقيقه من العدل والطمأنينة ومعالم الخلافة الراشدة [3] .
8 ـ العدل: إن صفة العدل من أبرز صفات عمر بن عبد العزيز القيادية على الإطلاق ـ وقد تحدث عن العدل في دولته وسياسته في رد المظالم فيما مضى، ولقد أجمع العلماء قاطبة على أنه ـ أي عمر بن عبد العزيز ـ من أئمة العدل، وأحد الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين [4] ، ولعل عدل عمر من أهم أسبابه يرجع إلى إيمانه بأن العدل أحد نواميس الله في كونه ويقينه التام بأن العدل ثمرة من ثمرات الإيمان، وأنه من صفات المؤمنين المحبين لقواعد الحق وإلى إحساس عمر بوطأة الظلم للناس في خلافة من سبقه من الخلفاء والأمراء الأمويين بالإضافة إلى السبب الأهم وهو: ما أمر الله به من العدل والإحسان، وأنهما الأسس العامة لأحكام الشرائع السماوية، وما نماه الإسلام في نفس عمر، من حب للعدل وإحياء لقيمه [5] ، وإليك هذه الصور من عدله والتي لم أذكرها فيما مضى، فتورد ما رواه الآجري من أن رجلًا ذمّيًا من أهل حمص قدم على عمر، فقال: يا أمير المؤمنين: أسألك كتاب الله عز وجل، قال: وما ذاك، قال العباس بن الوليد بن عبد الملك: اغتصبني أرضي ـ والعباس جالس ـ فقال له: يا عباس ما تقول؟ قال: أقطعنيها يا أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك، وكتب لي بها سجلًا، فقال عمر: ما تقول يا ذمي؟ قال: يا أمير المؤمنين أسألك كتاب الله عز وجل. فقال عمر: كتاب
(1) النموذج الإداري المستخلص من إدارة عمر صـ158.
(2) تاريخ الطبري (7/ 459) .
(3) النموذج الإداري المستخلص من إدارة عمر صـ163.
(4) البداية والنهاية نقلًا عن النموذج الإداري صـ163.
(5) النموذج الإداري صـ163، 164.