من التوجيهات التي لها صلة بمنهج عمر السياسي، مما يؤكد أن عمر بن عبد العزيز استقى منهجه من المنهل الذي نبعث منه هذه التوجيهات [1] ، فمما جاء في موعظة محمد بن كعب القرظي: .. يا أمير المؤمنين أفتح الأبواب، وسهل الحجاب، وانصر المظلوم، ورد الظالم [2] ، وبمثل هذا المعنى جاءت موعظة القاسم بن مخيمرة حيث قال لعمر: .. بلغنا أن من ولي على الناس فاحتجب عن فاقتهم وحاجتهم احتجب الله عن فاقته وحاجته يوم يلقاه. قال عمر: فما تقول: ثم أطرق طويلًا وبرز للناس [3] ، وجاء في إحدى رسائل الحسن البصري لعمر: ... أما بعد يا أمير المؤمنين فكن للمثل أخًا وللكبير ابنًا وللصغير أبًا، وعاقب كل واحد منهم بذنبه على قدر جسمه، ولا تضربن لغضبك سوطًا واحدًا فتدخل النار [4] ، وقد كان عمر كما سلف يحرص على تطبيق مثل هذا التوجيه ويأمر عماله بذلك [5] ، ومما جاء في رسالة سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ المليئة بالتوجيهات: .. فإنه قد كان قبلك رجال عملوا وأحيوا ما أحيوا وأتوا ما أتوا حتى ولد في ذلك رجال ونشؤوا فيه وظنوا أنها السنة فسدوا على الناس أبواب الرخاء، فلم يسدوا منها بابًا إلا فتح الله عليهم باب بلاء، فإن استطعت ـ ولا قوة إلا بالله ـ أن تفتح على الناس أبواب الرخاء فافعل، فإنك لن تفتح بابًا إلا سد الله الكريم عنك باب بلاء يمنعك من نزع عامل أن تقول لا أحد يكفيني عمله، فإنك إذا كنت تنزع لله وتستعمل لله أتاح الله لك أعوانًا فأتاك بهم. وجاء فيها أيضًا: .. فمن بعثت من عمالك إلى العراق فأنهه نهيًا شديدًا بالعقوبة عن أخذ الأموال وسفك الدماء إلا بحقها المال. المال يا عمر والدم فإنه لا نجاة لك من هول جهنم من عامل بلغك ظلمه ثم لم تغيره [6] . وهذه التوجيهات هي عين سياسة عمر في السعي لإغناء رعيته وإنتقائه لعماله ومحاسبته لهم [7] .
3 ـ مشاركتهم في تولي مختلف مناصب الدولة وأعمالها: لم تقتصر مشاركة العلماء لعمر بن عبد العزيز على الإشارة عليه وتقديم النصح له، بل تعدت ذلك إلى تولي عدد من المناصب في مختلف الأقاليم وأهم هذه المناصب وأكثرها أثرًا في سياسة الدولة: الإمارة على الأقاليم، وبيت المال [8] ، وحين نتتبع ولاة عمر على الأقاليم
(1) أثر العلماء في الحياة السياسية في الدولة الأموية صـ199.
(2) المصدر نفسه صـ199.
(3) سيرة عمر بن عبد العزيز صـ113، لابن الجوزي.
(4) المصدر نفسه صـ103.
(5) أثر العلماء في الحياة السياسية في الدولة الأموية صـ199.
(6) سيرة عمر بن عبد العزيز صـ103.
(7) أثر العلماء في الحياة السياسية صـ199.
(8) المصدر نفسه صـ200.