ويتخلفون عنهم ويسبقهم المؤمنون ويُحال بينهم بسور يمنعهم من الوصول إليهم، ويعطي كل مؤمن نوره بقدر عمله يضيء له الطريق فيمرون على الصراط، فمنهم من يمر كالبرق الخاطف، وكالريح، ومنهم من يرمل رملًا حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه تَخِرّ يدُ وتعلق يد وتخر رجل وتصيب جوانبه النار [1] وقد دل الكتاب والسنة على المرور على الصراط. قال تعالى: (( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ) ) (مريم، الآية: 72) وقال تعالى: (( ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ) ). وقال صلى الله عليه وسلم: والذي نفس بيده لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة قالت حفصة: فقلت يا رسول الله أليس الله يقول: (( وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ) )فقال ألم تسمعه قال: (( ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا ) ) (مريم، الآية: 72) . أشار إلى أن ورود النار لا يستلزم دخولها، وأن النجاة من الشر لا تستلزم حصوله. فالمؤمنون يمرون فوق النار على الصراط ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيا، فبين صلى الله عليه وسلم أن الورود هو الورود على الصراط [2] ، والحق أن الورود على النار ورودان: ورود الكفار أهل النار، فهذا ورود دخول لا شك في ذلك، كما قال تعالى: (( يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ ) ) (هود، الآية: 98) . أي بئس المدخل المدخول، والورود الثاني: ورود الموحدين وهو مرورهم [3] على الصراط وهو ما عناه عمر بن عبد العزيز رحمه الله في الأثر الماضي.
6 ـ الجنة والنار: بكى عمر بن عبد العزيز، فبكت فاطمة، فبكى أهل الدار، لا يدري هؤلاء ما أبكى هؤلاء، فلما تجلى عنهم الصبر قالت فاطمة بأبي أنت يا أمير المؤمنين مم بكيت؟ قال: ذكرت يا فاطمة منصرف القوم من بين يدي الله فريق في الجنة وفريق في السعير، ثم صرخ وغشي عليه [4] . وعن سفيان قال: كان عمر بن عبد العزيز يومًا ساكتًا وأصحابه يتحدثون فقالوا له: مالك لا تتكلم يا أمير المؤمنين؟ قال: كنت مفكرًا في أهل الجنة كيف يتزاورون فيها وفي أهل النار كيف يصطرخون فيها ثم بكى [5] . وكتب إلى بعض الأجناد .. واعلم أنه ليس يضر عبدًا صار إلى رضوان الله وإلى الجنة ما أصابه في الدنيا من فقر وبلاء، وأنه لن ينفع عبدًا صار إلى سخط الله وإلى النار ما أصاب في الدنيا من نعمة أو رخاء. وما يجد أهل الجنة من مكروه
(1) شرح الطحاوية صـ470، الآثار الواردة (1/ 468) .
(2) شرح الطحاوية صـ471.
(3) القيامة الكبرى للأشقر صـ278.
(4) الرقة والبكاء صـ76.
(5) سيرة عمر لابن الجوزي صـ154.