يفرش للخلفاء أول مايلون، فجعل يدفع ذلك برجله، حتى يفضي إلى الحصير، ثم قال: يا مزاحم ضم هذه لا موال المسلمين [1] . وأخذ إجراء آخر لمحاربة الإسراف في الدولة، فحين قال له ـ ميمون بن مهران ـ وهما ينظران في أمور الناس: ما بال هذه الطوامير [2] التي تكتب فيها بالقلم الجليل، وتمد فيها وهي من بيت مال المسلمين؟ فكتب إلى العمال أن لا يكتبوا في طومار ولا يمد فيه، قال: فكانت كتبه شبرًا أو نحو ذلك [3] . وقد مر معنا كتابه لا بي بكر بن محمد بن حزم الأنصاري والي المدينة في قصة الشموع، وتوجيه عمر له في ذلك وكيف يكتب له عندما قال: إذا جاءك كتابي هذا فأرق القلم، وأجمع الخط واجمع الحوائج الكثيرة في الصحيفة الواحدة، فإنه لا حاجة للمسلمين في فضل قول أضر ببيت مالهم والسلام عليك [4] . ذلك هو شأن عمر في كل أمر يخص مال المسلمين، صغر أو كبر ومع كافة الولاة، فإنه من المسلم به أن عمر لن يكون كذلك مع والي المدينة فحسب بل هو كذلك مع غيره من الولاة والعمال فكان يسعى للتوفير والإقتصاد في الإنفاق من بيت المال، ليحول بذلك دون الإسراف والبذخ [5] .
قال في كتاب له إلى عماله: نرى أن لا يتجر إمام ولايحل لعامل تجارة في سلطانه الذي هو عليه، فإن الأمير متى يتجر يستأثر ويصيب أمورًا فيها عنت وإن حرص أن لا يفعل [6] ، وذلك إدراك منه أن ممارسة العمال والولاة للتجارة، لا تخلو من أحد أمرين، إن لم تكن الإثنان معًا: فإما أن ينشغل في تجارته ومتابعتهما عن أمور واحتياجات المسلمين، وإما أن تحدث محاباة له في التجارة لموقعه، ويصيب أمورًا ليست له من الحق في شئ، وبهذا القرار سد عمر منفذًا خطيرًا قد يؤدي إلى فساد إداري قل ماتتوارى عواقبه [7] . وبعد ثمانية قرون جاء ابن خلدون وكتب في مقدمته العظيمة بعد تجارب طويلة ودراسة واسعة، ما يصدق عمر بن عبد العزيزفي نظرته الصادقة، وحكمته البالغة قال: إن التجارة من السلطان مضرة بالرعايا معسرة للجباية [8] .
(1) سيرة عمر لا بن عبد الحكم صـ33.
(2) طوامير: جمع طومار وهو الصحيفة، لسان العرب (1/ 503) .
(3) سيرة عمر لابن الجوزي صـ88.
(4) سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم صـ55.
(5) النموذج الإداري المستخلص صـ319.
(6) سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم صـ83.
(7) النموذج الإداري المستخلص من إدارة عمر صـ320.
(8) مقدمة ابن خلدوزن نقلًا عن رجال الفكر والدعوة للندوي (1/ 46) .