فهرس الكتاب

الصفحة 550 من 1358

من هو صالح لذلك وقد تركت أمركم، فولوا عليكم من يصلح لكم، ثم نزل ودخل منزله، فلم يخرج حتى مات رحمه الله تعالى [1] ، قد أراد معاوية بن يزيد أن يقول لهم: أنه لم يجد مثل عمر، ولا مثل أهل الشورى، فترك لهم أمرهم يولون من يشاءون وقد جاء ذلك صريحًا في رواية أخرى للخطبة عند ابن الأثير قال فيها: أما بعد فإني ضعفت عن أمركم فابتغيت مثل عمر بن الخطاب حين استخلفه أبو بكر فلم أجده، فابتغيت ستة مثل ستة الشورة فلم أجدهم، فأنتم أولى بأمركم، فاختاروا له من أحببتم، ثم دخل منزله وتغيب حتى مات [2] . واعتبر هذا الموقف منه دليلًا على عدم رضاه عن تحويل الخلافة من الشورى إلى الوراثة [3] ، فقد رفض أن يعهد لأحد من أهل بيته حينما قالوا له أعهد إلى أحد من أهل بيتك، فقال: والله ما ذقت حلاوة خلافتكم، فكيف أتقلد وزرها، وتتعجلون أنتم حلاوتها، وأتعجل مرارتها، اللهم أني بريء منها، مُتخلِّ عنها [4] ، وجاء في رواية: قيل له ألا توصي؟ فقال: لا أتزوّد مرارتها واترك حلاوتها لبني أمية [5] ، وتعتبر حادثة تنازل معاوية بن يزيد عن الخلافة حادثة نادرة في التاريخ الإنساني لقد عرفت استقالات، فيها إكراه مادي أو معنوي. أما أن ملكًا استقال، لأن في أمته من هو خير منه، فهذا ما لم نقع عليه وأية محاسبة للنفس أرفع من هذه [6] ؟

وإذا كان معاوية بن أبي سفيان أول الخلفاء الأمويين قد حول الخلافة من الشورى إلى الملك، فإن حفيده معاوية الثاني، ثالث خلفاء الأمويين أيضًا، قد أعاد الخلافة من الملك العضوض إلى الشورى الكاملة، وإنه لمما يستوجب الإنصاف أن تصاغ القضية على هذا النحو بدلًا من التركيز على الشق الأول الخاص بتوريث الخلافة فقط [7] .

مات معاوية بن يزيد عن إحدى وعشرين سنة وقيل: ثلاث وعشرين سنة وثمانية عشر يومًا. وقيل: تسع عشرة سنة. وقيل عشرين سنة. وقيل ثلاث وعشرين سنة. وقيل إنما عاش ثماني عشرة سنة وقيل: خمس عشرة سنة. فالله أعلم. وصلى عليه أخوه خالد؟ وقيل عثمان بن عنبسة. وقيل: الوليد بن عُتبة. وهذا هو الصحيح، فإنه أوصى إليه بذلك وشهد دفنه مروان بن الحكم [8] ، فلما فُرغ منه قال مروان: أتدرون من دفنتم؟ قالوا: نعم، معاوية بن يزيد. فقال مروان: هو أبو ليلى الذي قال فيه أَزْنَمُ الفزاري:

إني أرى فتنة تغلي مراجلها ... والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا [9]

(1) البداية والنهاية (11/ 663، 664) .

(2) الكامل في التاريخ (2/ 605) .

(3) العالم الإسلامي في العصر الأموي صـ137.

(4) مروج الذهب (3/ 82) .

(5) البداية والنهاية (11/ 663) .

(6) نظام الحكم في الشريعة والتاريخ (1/ 116) .

(7) الدولة الأموية المفترى عليها صـ293.

(8) البداية والنهاية (11/ 663،662) .

(9) البداية والنهاية (11/ 664) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت