2 ـ زهده: فهم عمر بن عبد العزيز من خلال معايشته للقرآن الكريم ودراسته لهدي النبي الأمين صلى الله عليه وسلم ومن تفكره في هذه الحياة بأن الدنيا دار ابتلاء واختبار، وإنها مزرعة للآخرة، ولذلك تحرّر من سيطرة الدنيا بزخارفها، وزينتها، وبريقها وخضع وانقاد وأسلم لربه ظاهرًا وباطنًا، وكان وصل إلى حقائق استقرت في قلبه ساعدته على الزهد في هذه الدنيا ومن هذه الحقائق:
أـ اليقين التام بأننا: في هذه الدنيا أشبه بالغرباء، أو عابري سبيل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل [1] .
ب ـ وأن هذه الدنيا: لا وزن لها ولا قيمة عند رب العزة إلا ما كان منها طاعة لله ـ تبارك وتعالى ـ إذ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء [2] .
ج ـ وأن عمرها قد قارب على الانتهاء: إذ يقول النبي صلى الله عليه وسلم: بعثت أنا والساعة كهاتين بالسبابة والوسطى [3] .
د ـ وأن الآخرة هي الباقية وهي دار القرار، فلهذه الأمور وغيرها زهد عمر بن عبد العزيز في الدنيا وأول الزهد الزهد في الحرام، ثم الزهد في المباح، وأعلى مراتب الزهد أن تزهد في الفضول وكل مالك عنه غنى [4] ، وكان زهد عمر بن عبد العزيز مبني على الكتاب والسنة ولذلك ترك كل أمر لا ينفعه في آخرته فلم يفرح بموجود وهي الخلافة، ولم يحزن على مفقود من أمور الدنيا، وقد ترك ما هو قادر على تحصيله من متاع الدنيا إنشغالًا بما هو خير في الآخرة ورغبة في ما عند الله عز وجل [5] ، قال مالك بن دينار: الناس يقولون: مالك بن دينار زاهد، إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز الذي أتته الدنيا فتركها [6] ، قال ابن عبد الحكم: ولما ولي عمر بن عبد العزيز زهد في الدنيا، ورفض ما كان فيه وترك ألوان الطعام، فكان إذا صنع له طعام هيىء على شيء وغطي، حتى إذا دخل اجتذبه فأكل [7] ، فكان لا يهمه من الأكل إلا ما يسد جوعه ويقيم صلبه وكانت نفقته وعياله في اليوم كما في الأثر، فعن سالم بن زياد: كان عمر ينفق على أهله في غدائه وعشائه كل يوم درهمين [8] ، وكان لا يلبس من الثياب إلا
(1) الترمذي، ك الزهد رقم 2333 وهو حديث صحيح.
(2) الترمذي، ك الزهد رقم 2320.
(3) مسلم، ك الفتن وأشراط الساعة رقم 132 ـ135.
(4) النموذج الإداري المستخلص من إدارة عمر صـ148.
(5) الآثار الواردة عن عمر بن عبد العزيز في العقيدة (1/ 146) .
(6) حلية الأولياء (5/ 257) .
(7) سيرة عمر لابن عبد الحكم صـ43.
(8) المصدر نفسه صـ38.