الآخرة [1] ، وعن حفص بن عمر قال: لما مات عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز جعل أبوه يثني عليه عند قبره فقال مسلمة: أرأيت لو بقي أكنت تولِّيه؟ قال: لا. قال: فأنت تثني عليه بهذا الثناء قال: إني أخاف أن يكون زيِّن لي من المحبة له ما يزين في عين الوالد من حبِّ ولده [2] . وخطب عمر في خطبته فقال: ما من أحد يصاب بمصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون. إلا كان الذي أعطاه الله من الأجر فيها أفضل مما أخذ منه، وقال: الرضى قليل والصبر معتمد المؤمن. وقال: من عمل على غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح، ومن لم يَعدَّ كلامه من عمله كثرت خطاياه، والرضا قليل ومعول المؤمن على الصبر [3] . وكان من أجل ما صبر عليه عمر في حياته: أمر الخلافة، فقد قال: والله ما قعدت مقعدي هذا إلا خوفًا أن يثبت عليه من ليس بأهل، ولو أني أطاع فيما أعمل لسلمتها إلى مستحقيها ـ يعني الخلافة ـ ولكنني أصبر حتى يأتي الله بأمر من عنده، أو يأتي بالفتح [4] .
7 ـ الحزم: لقد اتسم عمر بن عبد العزيز بهذه الصفة، في وقت أكثر ما يكون فيه أمر الأمة والخلافة في حاجة إلى الحزم، وبخاصة فيما يتعلق بالولاة والأمراء والعمال وللدلالة على تحلّي عمر بصفة الحزم وضبط الأمور، وعدم التهاون فيما يراه ضروريًا لخدمة الصالح العام، وما يصلح به أمر المسلمين، ولقد أخذ حزم عمر صورًا مختلفة ومجالات عدة، كحزمه مع أمراء وأشراف بني أمية ومع الذين يريدون شق عصا المسلمين والخروج على جادتهم وإثارة الفتن وسفك الدماء وغير ذلك من الأمور، فقد كان أول مؤشر على حزمه موقفه من بني مروان، إذ قال لهم: أدوا ما في أيديكم ولا تُلجئوني إلى ما أكره، فأحملكم على ما تكرهون، فلم يجبه أحد منهم. فقال: أجيبوني فقال رجل منهم: والله لا نخرج عن أموالنا التي صارت إلينا من آبائنا، فنُفقِّر أبناءنا ونكفر آباءنا، حتى تتزايل رؤوسنا فقال عمر: أما والله لولا أن تستعينوا عليَّ بمن أطلب هذا الحق له، لأضرعت خدودكم عاجلًا، وكني أخاف الفتنة، ولئن أبقاني الله لأُردَّنَّ إلى كل ذي حق حقه إن شاء الله [5] ، وكان إذا وقع في أمر مضى فيه، وجاءه يومًا كتاب من بعض بني مروان فأغضبه فاشتاط [6] ثم قال: إن لله من بني مروان يومًا ـ وقيل ـ وذبحًا ـ وأيم الله، لئن كان ذلك الذبح على يدي، فلما بلغهم ذلك، كفوا وكانوا يعلمون
(1) الكتاب الجامع لسيرة عمر بن عبد العزيز (2/ 427) .
(2) المصدر نفسه 2/ 428).
(3) المصدر نفسه 2/ 428).
(4) النموذج الإداري المستخلص من إدارة عمر صـ144.
(5) العقد الفريد (5/ 173) .
(6) استشاط ارجل: أي إحندَّ واحتدم كأنه التهب في غضبه.