عقبة في جمع عدته خمسون ألفًا [1] . وكان أبو المهاجر موثقًا في الحديد مع عقبة، فلمّا رأى الجموع تمثل بقول أبي محن الثقفي:
كفى حزنًا أن تمرغ الخيل بالقنا ... وأُترك مشدودًا عليّ وثاقيا
إذ قمتُ عنّاني الحديد وأُغلت ... مصارع من دوني تصمّ المناديا
فلما سمع عقبة ذلك أطلقه، فقال له: الحق بالمسلمين وقم بأمرهم وأنا اغتنم الشهادة، فلم يفعل وقال: وأنا أيضًا أريد الشهادة [2] ، وهكذا كان أبو المهاجر نموذجًا من تلك النماذج الفريدة من الرجال، الذين هانت عليهم الحياة الدنيا واستولى على قلوبهم حب الآخرة وكسب رضوان الله تعالى، ومن هذا المنطلق أقدم عقبة ومعه عدد قليل على معركة غير متكافئة، وكان بإمكان بعضهم الفرار ولكنهم ثبتوا ثبات الأبطال حتى استشهدوا جميعًا في بلاد (( تهوذة ) )من أرض الزاب ويَذكر المؤرخون أن قبور هؤلاء الشهداء معروفة في ذلك المكان وأن المسلمين يزورونها [3] . وهكذا تحقق أمل عقبة في أبو المهاجر ونالا الشهادة في سبيل الله بعد ما قاموا بالواجب الذي عليهم، واستقبلوا الشهادة في سبيل الله بنفس راضية مطمئنة إلى حسن ثواب ربها، وقد استطاع عقبة أن يشق بجهاده للإسلام طريقه في هذا الجزء من العالم الذي سار فيه خلفاؤه من بعده، زهير بن قيس البلوي، وحسان بن النعمان الغساني، وموسى بن نصير، فقد حقق أهدافه من التمهيد لنشر الإسلام والجهاد في سبيل الله [4] ، ولقد كان استشهاد عقبة بن نافع ومن معه في عام ثلاثة وستين للهجرة وعمره آنذاك في حدود أربع وستين سنة، وبهذا ندرك مبلغ القوة التي كان يتمتع بها أسلافنا حيث قام بتلك الرحلة الشاقة وخاض المعارك الهائلة وقد جاوز الستين من عمره وهكذا استشهد هذا القائد العظيم بعد جهاد دام أكثر من أربعين عامًا قضاها في فتوح شمال أفريقيا، ابتداء بمصر وإنتهاء بالمغرب الأقصى [5]
كانت معركة تهوذة مصيبة على المسلمين، فقد استشهد القائد المجاهد عقبة بن نافع وصحبه وكان لاستشهاده وقع أليم على المسلمين، وانتابتهم حالة من الهلع والفزع، فمع أن العدد الذي استشهد مع عقبة كان قليلًا ـ قيل حوالي ثلثمائة جندي ـ وأن معظم الجيش كان قد سار متقدمًا ونجا من المعركة، وكان من الممكن أن يتماسك هذا الجيش ويقاوم، حتى يحتفظ
(1) البيان المغرب (1/ 25) .
(2) الكامل في التاريخ (2/ 591) .
(3) التاريخ الإسلامي (13/ 264) ، البيان المغرب (1/ 28) .
(4) العالم الإسلامي في العصر الأموي صـ284، 285.
(5) التاريخ الإسلامي (13/ 265) .