الملك تنظيم الحكم الأموي على أسس جديدة واستفاد من سياسة معاوية ومن الأنظمة التي وضعها ولكنّ نزعته للتفرد بالسلطان والحكم جعلته يخالف معاوية رضي الله عنه في كثير من الأمور، فمعاوية كان يُشعر جلساءه وقواده وولاته على الأقطار أن لهم الحرية في النقد والقول، والرأي، أما عبد الملك فلا يشعرهم بشيء من ذلك، فهم بين يديه ليسيروا على هواه وليقدم إليهم الأوامر فينفذوها، فما كان يسمح لجلسائه بأن يجتزئوا من سلطانه شيئًا، وقد نظم دولته على هذا الأساس من التمسك بالسلطان والسيادة والانفراد ونظم وسائل الحكم تنظيمًا جعله السيد المتفرد في دولته، ويبدو أن نظرته للنظام شملت النواحي الآتية:
ـ دواوين الدولة، فهي الأسلاك التي تدير دفة الحكم والأمة.
ـ الولاة، فهم الذين ينفذون سياسة الدولة ويضبطون الملك،
ـ البريد فهو الذي يوصل بين أطراف الدولة [1] .
وتلك النظرة تشير إلى مبدأ في السيطرة، فالأمور المذكورة إنما هي أسلاك وخيوط في يده يحرك بها أجزاء خلافته والآتها ويستخدمها لسلطانه [2] ، وإليك أهم معالم التطوير الإداري في عهد عبد الملك
1 ـ ديوان الرسائل: وقد تطور هذا الديوان كثيرًا في عهد عبد الملك وازدادت أهميته بشكل واضح ولا سيما أثناء ولاية الحجاج للعراق، نظرًا للمستجدات السياسية والعسكرية ووجود المتمردين والخارجين على الدولة، مما استوجب متابعة أخبارهم، فكان الخليفة عبد الملك يكتب للحجاج بشأنهم، مما كان باعثًا مهمًا لازدهار ديوان الرسائل والكتابة، فكانت هذه الرسائل تصدر من الديوان بشكل مستمر إلى من يهمه الأمر لمعالجة أوضاع تلك الإضطرابات [3] ، حيث أن الخليفة عبد الملك كان غالبًا ما يلجأ إلى المكاتبات السياسية في محاولة منه أن يفت في عضد قادة الحركات فقد راسل وقبل اجتماع الأمة عليه ـ مصعب بن الزبير، وابن الأشتر [4] ، كما كان يرسل التوجيهات الإدارية والعسكرية إلى ولاته وقادته، وكان من الطبيعي أن تزداد مراسلات الحجاج إلى ولاته وقادته ومراسلاتهم إليه كالمهلب بن أبي صفرة مثلًا [5] ،
(1) الدولة الأموية، يوسف العش صـ229.
(2) الدولة الأموية صـ229.
(3) الإصلاحات المالية والتنظيمات الإدارية صـ137.
(4) تاريخ الطبري نقلًا عن الإصلاحات المالية صـ137.
(5) الأخبار الطوال صـ277ـ 280 نهاية الأرب (7/ 246، 247) .