تغاير وجهة الخطبة، فهي منسجمة والمعاني الإسلامية ومستمدة من قوله تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) ) (التوبة، الآية: 111) .
وأما موضوع حرق طارق للسفن التي عبر بها المضيق، كي يقطع على الجيش الإسلامي كل أمل في العودة، فيستميت في الدفاع؟ ذكر بعض المؤرخين ذلك؟
لكن لماذا يحرق طارق السفن، سواء امتلكها المسلمون أم يُلْيان؟ وكان طارق وجيشه يقاتلون من أجل عقيدة وإنهم في ساعة عبورهم جاؤوا مجاهدين مستعدين للشهادة، وطارق متأكد من هذه المعاني، فإذا كانت السفن ليُليان فليس من حق طارق التصرف بها، وإن كانت للمسلمين فليس حرقها عملًا عسكريًا سليمًا أو مناسبًا، ما دام يحتاج إليها وإلى النجدة والاتصال الدائم بالمغرب لأي غرض، وقد رأينا كيف احتاج إلى النجدة قبل خوض هذه المعركة واحتاجها فيما بعد [1] ، كما أن طارقًا كان قادرًا على إعادتها إلى الساحل الأفريقي إن الدوافع الإسلامية والهدف الذي جاء الجيش من أجله أقوى في الاندفاع من أي سبب آخر، وما كان المسلمون يتخلفون عن خوض معركة أو تقديم أنفسهم لإعلاء كلمة الله، بل لذلك أتوا، والمصادر الأندلسية ـ لاسيما الأولى ـ لا تشير إلى قصة حرق السفن التي لا تخلو من علاقة وارتباط بقصة الخطبة [2] .
كان موسى بن نصير من التابعين ـ رحمهم الله تعالى ـ وقد روى تميم الداري رضي الله عنه، وكان عالمًا كريمًا شجاعًا ورعًا تقيًا لله تعالى [3] ، وكان من رجال العلم حزمًا ورأيًا وهمّة ونبلًا وشجاعة وإقدامًا [4] ، وكان حين وجّه طارقًا لفتح الأندلس كان يتلقى الأخبار ويراقب الأحداث، منذ بدايتها، ويُهيء المتطلبات لإنجاز هذا الفتح الكبير، بهمة المؤمن وإخلاص التقي، ويدعو الله أن ينزل نصره على المسلمين [5] . وكان موسى بن نصير يعتقد اعتقادًا كبيرًا في أهمية الدعاء والتضرع لتحقيق النصر على الأعداء ويعتبر الدعاء من أسباب النصر التي أرشد إليها القرآن الكريم ومارسها رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول ابن الكردبوس: وكان موسى بن نصير حين أنفذ طارقًا مُكبًَّا على الدعاء والبكاء والتضرع لله تعالى، والابتهال إليه في أن ينصر جيش المسلمين، وما عُلم أنه هزم له جيش قط [6] ، وكان طارق بن زياد على صلة بقائده موسى بن نصير، يفتح الفتوحات باسمه وبتعليماته، ويخبره عن كل شيء أولًا بأول منذ بداية الفتح، ويستشيره فيما يحتاج إليه وقد
(1) التاريخ الأندلسي صـ62.
(2) المصدر نفسه صـ62.
(3) وفيات الأعيان (5/ 318 ـ 319) .
(4) العبر في خبر من غبر للذهبي (1/ 116) .
(5) التاريخ الأندلسي صـ67.
(6) التاريخ الأندلسي صـ68.