سارة تشرح صدرها، وتملأ عليها نفسها سرورًا نعم إن عودة زوجها إليها سالمًا هي أحسن خبر يحمله لها، ولكنه لم يعد إليها خالي الوفاض من الذهب والفضة اللذين يعود بهما المحاربون عادة فقط، ولو كان الأمر كذلك لسُرّت بعودته، وسلامته، ولكنه حمل إليها رأس الحسين ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إنها يبلغها الخبر بفرحة تدل على رضاه وسروره، أفتفرح هي بذلك؟ أنه لو جاءها بالخبر دون أن يكون مصحوبًا بالرأس كان ذلك كفيلًا بزيادة حزنها وأسفها، فكيف وهو يحدثها بالخبر مقرونًا برأس الحسين ـ رضي الله عنه ـ إن كل مؤمن يحزنه الخبر، ويهدّ نفسه سماعه، لهذا غادرت النوار فراش زوجها، وأقسمت ألا تجتمع معه في بيت أبدًا [1] .
كتب عبيد الله بن زياد إلى يزيد بن معاوية يخبره بما حدث ويستشيره في شأن أبناء الحسين ونسائه فلما بلغ الخبر يزيد بن معاوية بكى وقال: كنت أرضى من طاعتكم ـ أي أهل العراق ـ بدون قتل الحسين، كذلك عاقبة البغي والعقوق لعن الله ابن مرجانة لقد وجده بعيد الرحم منه، أما والله لو أني صاحبه لعفوت عنه فرحم الله الحسين [2] ، وفي رواية أنه قال: ... أما والله لو كنت صاحبه، ثم لم أقدر على دفع القتل عنه إلا ببعض عمري لأحببت أن أدفعه عنه [3] ، فجاء رد يزيد على ابن زياد يأمره بإرسال الأسارى إليه، وبادر ذكوان أبو خالد فأعطاهم عشرة آلاف درهم فتجهزوا بها [4] ، ومن هنا يعلم أن ابن زياد لم يحمل آل الحسين بشكل مؤلم أو أنه حملهم مغللين، كما ورد في بعض الروايات [5] ، وقد مر معنا كيف أن ابن زياد قد أمر للأسارى بمنزل منعزل وأجرى عليهم الرزق والنفقة وكساهم [6] .
وتذكر رواية عوانة أن محفز بن ثعلبة هو الذي قدم بأبناء الحسين على يزيد [7] ، ولما دخل أبناء الحسين على يزيد قالت: فاطمة بنت الحسين: يا يزيد: أبنات رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا قال: بل حرائر كرام: أدخلي على بنات عمك تجديهن قد فعلن ما فعلت. قالت فاطمة: فدخلت إليهن فما وجدت فيهن سفيانية إلا ملتزمة تبكي [8] . وعندما دخل علي بن الحسين قال يزيد:
(1) الأمويون بين الشرق والغرب (1/ 253) .
(2) أنساب الأشراف بسند حسن (3/ 219، 220) مواقف المعارضة صـ282).
(3) الأباطيل والمناكير (1/ 265) للجوزقاني بسند كل رجاله ثقات إلا أن فيه إنقطاعًا بين الشعبي والمدائني.
(4) الطبقات (5/ 393) مواقف المعارضة صـ282.
(5) المحن صـ155، مواقف المعارضة صـ282.
(6) مواقف المعارضة صـ283.
(7) تاريخ الطبري (6/ 394) .
(8) المصدر نفسه (6/ 395) .