العزيز التي قامت على العدل وحمتهم من ملذاتهم وتمتعهم بميزات لا ينالها غيرهم، بل جعل بني أمية مثل أقصى الناس في أطراف دولة الإسلام ورد المظالم التي كانت في أيديهم وحال بينهم وبين ما يشتهون، فكاد له بعض بني أمية بوضع السم في شرابه [1] . وهذا ليس من المستبعد أو المستغرب أن يعمد أحد هؤلاء إلى سقيه السم ليتخلص منه وليكن ذلك عن طريق خادمه الذي يقدم له الطعام والشراب، فقد روي أنهم وعدوا غلامه بألف دينار وأن يعتق إن هو نفذ الخطة فكان الغلام يضطرب كلما هم بذلك، ثم إنهم هددوا الغلام بالقتل إن هو لم يفعل، فلما كان مدفوعًا بين الترغيب والترهيب حمل السم فوق ظفره، ثم لما أراد تقديم الشراب لعمر قذف السم فيه ثم قدمه إلى عمر فشربه ثم حس به منذ أن وقع في بطنه [2] . وعن مجاهد قال: قال لي عمر بن عبد العزيز: ما يقول الناس في؟ قلت: يقولون إنك مسحور. قال: ما أنا بمسحور ثم دعا غلامًا له فقال له: ويحك ما حملك على أن تسقيني السم؟ قال: ألف دينار أعطيتها وعلى أن أعتق، قال: هات الألف فجاء بها فألقاها عمر في بيت المال. وقال: أذهب حيث لا يراك أحد [3] فالسبب المباشر لمرضه وموته فهو كما ذكرت الروايات كان بسبب سقيه السم [4] ، ففي عفوه عن غلامه الذي وضع له السم وتسبب في قتله وهو قادر على أن يقتله شر قتلة وفي عدم إستفهامه من الغلام عن من أمره بوضع السم وقد كان يستطيع إرغام الغلام والاعتراف بذلك ثم يأمر بالقصاص منهم جميعًا، مثل عجيب في العفو وسبب ذلك لا نه كان يوقن أن ما عند الله خير وأنه إن عفا عنه حصل له الثواب من الله تعالى على عفوه، وإن انتصر منه فأقام عليه الحد لم يا ثم ولكنه لا يحصل على أجر العفو ونظرًا إلى أن أغلى شيء عنده في هذه الحياة أن يرتفع رصيده من الحسنات فإنه قد فضل العفو على انتصاره للنفس [5] .
بلغ من تواضع عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه عندما ذكروا له ذلك الموضع الرابع في حجرة عائشة والتي فيها قبر النبي (صلى الله عليه وسلم) وأبي بكر وعمر، فقالوا: لو دنوت من المدينة حتى تدفن معهم قال: والله لا يعذبني الله عذابًا ـ إلا النار فإني لا صبر بي عليها ـ أحب إلي من أن يعلم الله من قلبي أني أراني لذلك أهلًا [6] . ويأبى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله تعالى ـ إلا
(1) فقه عمر بن عبد العزيز (1/ 43) .
(2) سيرة عمر لابن الجوزي صـ316، 317.
(3) تذكرة الحفاظ (1/ 120) .
(4) فقه عمر بن عبد العزيز (1/ 44) .
(5) التاريخ الإسلامي (16/ 229) .
(6) سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي صـ321 ـ 324، فقه عمر بن عبد العزيز (1/ 45) .