فهرس الكتاب

الصفحة 540 من 1358

ووجاهته، واحترام المسلمين له. ويكون بيده التخطيط لمجابهة يزيد بن معاوية، وبالأخص أنه يملك رصيدًا كبيرًا من المشاركات الحربية الناجحة في عمليات الجهاد الإسلامي، وكان يرغب في جعل ركيزة الانطلاق في المعارضة هي بلاد الحجاز، وذلك نظرًا لصدق أهلها، ووجود العباد والصالحين والعلماء من الصحابة وكبار التابعين بها، ثم وجود الحرمين ومكانتهما، فإذا تمت لهما السيطرة على بلاد الحجاز، فإن قضيتهما ستكسب بعدًا كبيرًا في الأقاليم الإسلامية، فالناس تؤم الحرمين للعمرة والحج والزيارة، وبالتأكيد سينقلون أخبار المعارضين ومكانتهما، مما سيؤدي إلى تعاطف وتأييد وأنصار تلك الأقاليم، ولما خرج الحسين رضي الله عنه إلى الكوفة وقتل يوم عاشوراء من سنة إحدى وستين بكربلاء كان لذلك وقع كبير على ابن الزبير، فالذي يخشاه ابن الزبير وهو انفراد الأمويين به قد حدث، ثم إن الرجل الذي كان يضفي مكانة ومنزلة على المعارضة قد قتل ومع ذلك لم يحدث تحرك من الناس ضد الأمويين بسبب قتل الحسين رضي الله عنه [1] ،

ولعل إنفراده بالمعارضة ضد يزيد هي التي جعلت ابن خلدون يقول: ولم يبق في المخالفة لهذا العهد ـ الذي اتفق عليه الجمهور ـ إلا ابن الزبير، وندور المخالف معروف [2] ، وقد أحس ابن الزبير بخطورة موقفه، ولكنه حاول أن يستفيد من دوافع الكره والمقت التي تعتلج في نفوس الناس ضد الأمويين بسبب قتل الحسين [3] .

1 ـ أول هجوم مباشر وصريح من ابن الزبير على يزيد:

عندما سمع ابن الزبير مقتل الحسين رضي الله عنه قام خطيبًا في مكة وترحم على الحسين وذم قاتليه وقال: أما والله لقد قتلوه طويلًا قيامه، وكثيرًا في النهار صيامه، أحق بما هم فيه منهم، وأولى بما هم فيه منهم، وأولى به في الدين والفضل، أما والله ما كان يبدّل بالقرآن الغناء ولا البكاء من خشية الله الحداء، ولا بالصيام شراب الحرام، ولا بالمجالس في حلق الذكر ـ الركض في طلب الصيد ـ يعرّض بيزيد ـ فسوف يلقون غيًا [4] . ونظرًا للمشاعر العاطفية التي أثرت على أهل الحجاز عمومًا بسبب قتل الحسين رضي الله عنه فقد أبدى البعض استعداده لبيعة ابن الزبير [5] ، ولاحظ ابن الزبير مشاعر السخط التي عمّت أهل الحجاز بسبب قتل الحسين رضي الله عنه، فأخذ يدعو إلى الشورى وينال من يزيد ويشتمه [6] ، ويذكر شربه للخمر ويثبط الناس عنه، وأخذ الناس يجتمعون إليه فيقوم فيهم، فيذكر مساوئ بني أمية ويطنب في ذلك [7] .

2 ـ مساعي يزيد السلمية:

لم يحاول يزيد في بداية الأمر أن يعمل عملًا من شأنه أن يعقّد النزاع مع ابن الزبير، ولهذا

(1) مواقف المعارضة صـ519 ..

(2) مقدمة ابن خلدون (1/ 265) .

(3) مواقف المعارضة صـ520.

(4) المصدر نفسه صـ520.

(5) أنساب الأشراف (4/ 304) .

(6) المصدر السابق (4/ 304) .

(7) أخبار مكة (1/ 201) بسند كل رجاله ثقات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت