بين سبتة والأندلس وأهل الأندلس لا يظنون إلا أنها تختلف بمثل ما كانت السفن تختلف به من المنافع والمتاجر، ولما علم أهل الأندلس بالحملة كانت عملية الإبحار قد تمت بسلام في رجب من عام اثنين وتسعين للهجرة، ونزل طارق، بالجند عند جبل كالبي، وهو الجبل الذي أخذ اسم طارق وصار يعرف بجبل طارق، وقيل لما ملك رئيس الموحدين عبد المؤمن الأندلس وعبر جبل طارق أمر ببناء مدينة على الجبل وسماه جبل الفتح ولكن الاسم لم يثبت له وظل اسم جبل طارق جاريًا على الألسنة [1] ، وسار طارق بالجيش نحو الجزيرة الخضراء ففتحها، وكان لذريق في شمال الأندلس مشغولًا في محاربة البشكنس، وقيل في محاربة الفرنسيين، فأرسل خليفته تدمير يُعْلِمُه بالهجوم الإسلامي، فعاد لذريق مسرعًا لصده، وفي طريقه لقتال المسلمين عرّج على العاصمة طليطلة دون أن يدخلها وصالح أسرة غيطشة ودعاهم والقوط المخالفين له إلى الانضمام إليه في حرب العدو المشترك فساروا معه، وقيل أن لذريق عهد بقيادة ميمنة جيشه وميسرته إلى ابني غيطشة [2] ، وعلم طارق بالحشود التي حشدها لذريق لمجابهته فكتب إلى موسى ينبئه بضخامتها ويطلب منه مددًا، فأمدّه موسى بخمسة آلاف مقاتل [3] ، ويصف المقري، نقلًا عن بعض المؤرخين جند طارق لقد أقبلوا وعليهم (( الزرد ) )وفوق رؤوسهم (( العمائم البيض ) )وبأيديهم (( القسي العربية ) )وقد تقلدوا السيوف وحملوا الرماح فلما رآهم لذريق دخله منهم الرعب [4] ، وذكر ابن الأثير: أن طارقًا لما ركب البحر غلبته عينه فرأى النبي صلى الله عليه وسلم ـ في نومه ـ ومعه المهاجرون والأنصار قد تقلّدوا السيوف وتنكّبوا القسّي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا طارق تقدم لشأنك، وأمره بالرفق بالمسلمين، والوفاء بالعهد، فنظر طارق فرأى النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه قد دخلوا الأندلس أمامه، فاستيقظ من نومه مستبشرًا وبشر أصحابه وقويت نفسه ولم يشك في الظفر [5] .
لم يعد بين طارق وخصمه لذريق سوى عاملي الزمن، والأرض وأصبح من الواضح أن طارقًا أكثر حرية من خصمة بعد سقوط ولاية (( الجزيرة الخضراء ) )بيده وهزيمة قائد القوط (( بنج ) )وهلاك فرقته بكاملها على يدي جيش طارق، وأصبح قادرًا على اختيار المكان المناسب للقتال، فقد كان اختيار ميدان القتال من قبله من أهم عناصر نجاحه في هذه المعركة [6] ، إذ كان قد أسند ميمنة جيشه إلى بحيرة خاندا شرقًا، الممتدة عدة كيلومترات والتي يصب فيها نهر
(1) دراسة في تاريخ الخلفاء الأمويين صـ299.
(2) دراسة في تاريخ الخلفاء الأمويين صـ300.
(3) المصدر نفسه صـ300.
(4) نضح الطيب من غصن الأندلس الرطيب (1/ 226، 227) .
(5) الكامل في التاريخ (3/ 209) .
(6) الفن العسكري الإسلامي صـ339.