فهرس الكتاب

الصفحة 942 من 1358

الخازن ما أمر به، فدخل زياد فأخذ لنفسه ولأصحابه بضعًا وثمانين درهمًا أو بضعًا وتسعين درهمًا، فلما رأى ذلك الخازن قال: أمير المؤمنين أعلم بمن يسلط على بيت المال [1] . ففي هذا الخبر صور من تواضع عمر بن عبد العزيز رحمه الله وتقديره للعلماء الربانيين فهو أولًا لم يبال بلقب الخلافة وهو أعلى لقب عند المسلمين، والمناصب لها فتنة يقع في حبائلها من اغتروا بالجاه والمنزلة الدنيوية، أما أقوياء الإيمان فإن شخصيتهم لا تتغير بعد المنصب بل يظلون على ما هم عليه من التواضع، وربما زادوا تواضعًا في مقابلة احترام الناس لهم. ثم هو ثانيًا نزل من مكانه حتى لا يعلو ذلك العالم الرباني زياد بن أبي زياد مولى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة، وكون ذلك العالم من الموالي لا ينزل من قدره ابن عمر، فإن العبرة بالعلم والتقوى لا بشرف النسب، وموقف كريم لهذا العالم الرباني حيث لم يأخذ من بيت المال إلا ذلك القدر الزهيد مع أنه قد مكن منه، وهذا مثال رفيع من أمثلة الزهد والورع، وحين ما تكون النفوس كبيرة والعقول راجحة فإنها تعف عن متاع الدنيا الذي يتنافس عليه الصغار، وتطمح ببصرها نحو نعيم الآخرة الخالد الذي يتنافس فيه الكبار [2] .

7 ـ المرء بأصغريه قلبه ولسانه: كان بين وفد المهنئين لعمر بالخلافة من أهل الحجاز غلام صغير وكان الوفد قد اختار الغلام ليتكلم عنهم، وهو أصغرهم، فلما بدأ بالكلام قال له عمر: مهلًا يا غلام ليتكلم من هو أسن منك، فقال الغلام: مهلًا يا أمير المؤمنين، المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، فإذا منح الله العبد لسانًا لافظًاُ وقلبًا حافظًا، فقد إستجاد له الحلية [3] ، يا أمير المؤمنين لو كان التقدم بالسن لكان في الأمة من هو أسن منك ـ أي أحق بمجلسك هذا ممن هو أكبر منك سنًا [4] ـ. فقال عمر: تحدث يا غلام، قال: نعم يا أمير المؤمنين، نحن وفود التهنئة لا وفود المرزئة [5] ، قدمنا إليك من بلدنا، نحمد الله الذي منَّ بك علينا لم يخرجنا إليك رغبة ولا رهبة، أما الرغبة فقد أتانا منك إلي بلدنا، وأما الرهبة فقد أمّننا الله بعدلك من جورك [6] فأعجب عمر بفصاحة الغلام وعلمه، وسداد رأيه، فما كان من عمر إلا أن شجعه على ذلك، وزاده ثقة بنفسه وجراءة ليكون هذا الحادث موقفًا تربويًا يتعلم فيه الغلام في حضرة خليفة المسلمين، فطلب منه الموعظة فقال: عظنا يا غلام وأوجز، فقال: نعم يا أمير المؤمنين، إن أناسًا من الناس غرهم

(1) سيرة عمر لابن عبد الحكم صـ53 التاريخ الإسلامي (15/ 24) .

(2) التاريخ الإسلامي (15/ 24) .

(3) إستجاد له الحلية: استحق أن يتكلم.

(4) النموذج الإداري المستخلص من إدارة عمر بن عبد العزيز صـ79.

(5) الإرتزاء: انتقاص الشيء: والمرزئة: الرزيئة وهي المصيبة.

(6) مروج الذهب (3/ 197) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت