ساعة، فذلك الذي حمله على تعجيل الكتاب [1] ، حقًا إن الحال الذي كان عليه مجاهدوا القسطنطينية لا يحتمل التأخير في قرار عودتهم على الإطلاق فكان الإجراء المناسب في الوقت المناسب [2] , وكتب بعزل أسامة بن زيد التنوخي وكان على خراج مصر فعزله لظلمه وغشمه وتسلطه، كما كتب بعزل يزيد بن أبي مسلم عن إفريقية لظلمه [3] ، وكان عمر يهتم بالوقت من حيث إختيار الوقت المناسب لإعلان التوجيهات أو القرارات الإدارية وسهولة إبلاغها، فكان حين يستخدم البلاغة لا بلاغ الناس يراعي الوقت الأكثر ملائمة سواء من حيث كثرة المجتمعين أم من حيث قدسية المكان وحرمته، وبالتالي زيادة الإهتمام بما يكون فيه، ألا هو الموسم السنوي موسم الحج ليخطب في المسلمين أو يكتب إلى المسلمين في يوم حجهم الأكبر بما يراه على قدر كبير من الأهمية من أمورهم، إذ يتحقق بإختيار ذلك الوقت المناسب أمرين، أحدهما: نشر التوجيه أو القرار أو الإجراء في أكبر عدد من المسلمين، من كل بلد من بلدانهم، والثاني سرعة الإنتشار الذي يحققها إعلان القرار أو التوجيه في هذا الجمع في ذلك الوقت [4] . ومن ذلك كتابه إلى أهل الموسم الذي جاء فيه: أما بعد: فإني أشهد الله وأبرأ إليه في الشهر الحرام والبلد الحرام، ويوم الحج الأكبر إني برئ من ظلم من ظلمكم، وعدوان من إعتدى عليكم، أن أكون أمرت بذلك أو رضيته أو تعمدته إلا أن يكون وهمًا مني، أو أمرًا خفي علي لم أتعهده وأرجو أن يكون ذلك موضوعًا عني مغفورًا لي إذا علم مني الحرص والإجتهاد، ألا وإنه لا إذن على مظلوم دوني وأنا معول كل مظلوم، ألا وأي عامل من عمالي رغب عن الحق ولم يعمل بالكتاب والسنة فلا طاعة له عليكم، وقد صيرت أمره إليكم حتى يراجع الحق وهو ذميم، ألا وإنه لا دولة بين أغنيائكم، ولا أثرة على فقرائكم في شئ من فيئكم، ألا وأيما وارد ورد في أمر يصلح الله به خاصًا أو عامًا من هذا الدين فله مابين مائتي دينار إلى ثلاث مائة دينار على قدر ما نوى من الحسنة وتجشم من المشقة، رحم الله إمرءًا لم يتعاظمه سفر يجئ الله به حقًا لمن وراءه، ولولا أن أشغلكم عن مناسككم لرسمت لكم أمورًا من الحق أحياها الله لكم وأمورًا من الباطل أماتها الله عنكم، وكان الله هو المتوحد بذلك فلا تحمدوا غيره، فإنه لو وكلني إلى نفسي كنت كغيري والسلام [5] .
فهذا كتاب عظيم من أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز في محاربة الظلم وإقرار العدل فهو قد سعى جاهدًا في رد المظالم التي عرف عنها، ولكنه يتوقع أن هناك مظالم لم تصل إليه، فكتب هذا الكتاب وأعلنه في موسم الحج الذي يضم وفودًا من أغلب بلاد المسلمين، لتبرأ
(1) سيرة عمر بن عبد العزيز لابن الحكيم صـ32.
(2) النموذج الإداري المستخلص من إدارة عمر صـ337.
(3) المصدر نفسه صـ337، 338.
(4) المصدر نفسه صـ339.
(5) حلية الأولياء (5/ 292 ـ 293) .