مشروعية نصب القضاء والحكم بين الناس، بل قد عدوه من فروض الكفايات لأن الناس لا يستقيم أمرهم بدونه [1] ، وكان أول من تولاه في في الإسلام هو النبي صلى الله عليه وسلم بتكليف الله تعالى له بذلك في أكثر من آية
قال تعالى:"فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليما" (النساء، آية: 65) . كما تولى القضاء من بعده الخلفاء الراشدون بأنفسهم، وولاه عمر بن الخطاب غيره فولى أبا الدرداء قضاء المدينة وولي شريحًا قضاء البصرة، وأبا موسى الأشعري قضاء الكوفة كما تولاه بعد الصحابة كثير من أعلام التابعين وأعيانهم كأبي إدريس الخولاني، والحسن البصري، وعبد الملك بن يعلى الليثي ومسروق وعمر بن عبد العزيز، وأبي بكر بن حزم، ويحي بن سعيد الأنصاري وسليمان بن حبيب المحاربي والقاسم بن عبد الرحمن ابن عبد الله بن مسعود وغيرهم ممن اتفق الأئمة على تعديلهم وتوثيقهم مع توليهم القضاء وقيامهم به، وبهذا يتضح لنا: أن القضاء لا يزيل الثقة عن صاحبها ولا يسقط العدالة عمن عرف بها، بل روي الثناء عليه واعتبار القيام به من موجبات الأجر [2] .
ولو أن جولد تسهير: أنفق لمعرفة القضاء وأهميته في الإسلام شيئًا من الوقت والجهد اللذين أنفقها في صياغة هذه الشبهة وغيرها من الشبه الباطلة التي استهدف بها الإسلام والسنة النبوية ورجالها، لعلم: أن القضاء منصب مشروع وعال في الإسلام، وإنه مما يوجب الأجر ويضاعف الثواب ويقوي الثقة بمن كان يتصف بها من القضاة، وإنه كان لمن تولاه في ذلك الوقت الذي كان يموج بالعلماء الأعلام سمة تشريف ووسام تقدير وتكريم، ولأدرك أن كراهة من كرهه من السلف من التابعين ومن بعدهم كأبي قلابة، وأبي حنيفة وسفيان الثوري وغيرهم، تعود إلى خوفهم مما جاء فيه من تحذير وتخويف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحذير موجه إلى من لم يكن أهلًا لتوليه، أو لم يؤد الحق فيه لا إلى توليه مطلقًا إذ هو مشروع كما رأينا، بل قد يجب القيام به أحيانًا على من تعين عليه، لما فيه من الأثر المعروف والنهي عن المنكر، وأداء الحقوق إلى مستحقيها والإصلاح بين الناس [3] . قال ابن فرحون: وأعلم أن كل ما جاء من الأحاديث التي فيها تخويف ووعيد فإنما هي من حق قضاة الجور العلماء أو الجهال الذين يدخلون أنفسهم في هذا المنصب بغير علم، ففي هذين الصنفين جاء الوعيد [4] .
ج- قبوله جوائز الخلفاء:
ومن الشبه التي تثار أحيانا هي: أن الإمام الزهري كان يقبل جوائز الخلفاء، أو لماذا كان
يقبلها؟ والجواب على هذه الشبهة، أو وهذا التساؤل نقول: لقد كان الإمام الزهري طالبًا وانتهى عالمًا وفي كلا الحالتين كان متفرغًا في الأولى لطلب العلم وجمعه وفي الثانية لتعليمه ونشره، ولم يكن له من المال الموروث أو المكسوب ما يسد
(1) المغني لابن قدامة (9/ 34) .
(2) الإمام الزهري وأثره في السنة ص447.
(3) الإمام الزهري وأثره في السنة ص 446 إلى 448.
(4) تبصرة الحكام (1/ 10) الإمام الزهري ص 448.