ويتضجرون منهم في نهاية القرن الأول بعد محق عبد الملك بن مروان لعبد الرحمن بن الأشعث الكندي، ومن التفوا حوله من اليمنية وغيرهم ثم حنقهم على بني أمية في بداية القرن الثاني عندما نكب يزيد بن عبد الملك المهالبة وكاد يُفنيهم، وتنامى حقد اليمنية في آخر أيام هشام حين أقصى خالدًا عن العراق. وتصدّى الوليد بن يزيد لخالد بن عبد الله القسري، لأنه قاوم رغباته السياسية فسجنه وأذن في ضربه. وكان قتل يوسف بن عمر الثقفي لخالد خاتمة النكبات التي حاقت باليمنية وبعثتهم على التدبير المتُقن لخلع الوليد واغتياله، ثأرًا لدماء زعمائمهم المراقة، وكرامتهم المهدرة وسلطتهم الضائعة، وقضاء على نفوذهم المضرية من قيس وتميم، الذين أيدوا بني أمية ومكّنُوهم من اليمنية ولبلوغ ذلك لجأ اليمنية في الشام إلى وسيلتين [1] .
أ- الأولى إعلامية دعائية تحريضية، قصدوا منها إلى استفزاز أبناء عشائرهم، وإذكاء حميتهم وأنفتهم، بإثارة العصبية القبلية بينهم وبين القيسية فوضعوا على لسان الوليد بن يزيد قصيدة طويلة في تقريع اليمنية وذمهم، والتشفي باندحارهم، وتقلُّص سلطانهم، وفي تمجيد القيسية، والافتخار بجبروتهم وعظمتهم، وسحقهم لليمنية، وهي تتوالى على هذا النمط [2] .
ألم تَهْتجْ فَتدَّكِرَ الوِصَالاَ ... وحبلا كان مُتَّصلًا فزالا
بَلَى فالَّدمعُ منك له سجام ... كماء المُزن ينسجل انسجالًا
فدع عنك ادَّكار آلَ سعدى ... فنحن الأكثرون حَصىً ومالًا
ونحن المالكون النّاس قَسْرًا ... نُسومُهُم المذَّلةَ والنكالا
وَطِئْنَا الأشْعَري بِعَّز قيس ... فيالكِ وطأة لن تُستقالا
وهذا خالد فينا أَسيرا ... ألا منعوه إن كانوا رجالًا
عَظِيمُهُم وسَّيدُهُم قديما ... جعلنا المخزيات له طلالا
فلو كانت قبائل ذات عِزًّ ... لما ذهبت صنائعه ضَلالا
ولا تركوه مسلوبًا أسيرًا ... يُسامِرُ من سَلاسلنا الثَّقالا
وكندةُ والسَّكُونُ فما استقالوا ... ولا برحت خُيولُهمُ الرَّجالا
بها سُمْنا البريَّة كلَّ خَسْف ... وهدمنا السهولة والجبالا
ولكنَّ الوقائع ضعضعتهم ... وَجذَّتهم وردتهم شِلالا [3]
فما زالوا لنا أبدًا عبيدًا ... نَسُومُهمُ المَذَّلَة والسَفَالا [4]
(1) المصدر نفسه ص 307.
(2) المصدر نفسه ص 307.
(3) الشلال: القوم المتفرقون.
(4) السفال: مصدر سفل يسفل إذا انحط.