فهرس الكتاب

الصفحة 438 من 1358

وكنت كذي طمرين عاش ببُلْغةٍ

من العيش حتى زار ضيق المقابر [1]

وقد أوصى معاوية بنصف ماله أن يرد إلى بيت المال كأنه أراد أن يُطيَّب له، لأن عمر بن الخطاب قاسم عمّاله [2] . وذكروا أنه في آخر عمره اشتد به البَرْدُ فكان إذا لبس أو تغطَّى بشيء ثقيل يَغُمُّه، فاتُّخذ له ثوب من حواصل الطير [3] ، ثم ثقل عليه بعد ذلك، فقال: تبًَّا لك من دار ملكتك أربعين سنة، عشرين أميرًا، وعشرين خليفة، ثم هذا حالي فيك، ومصيري منك، تبًا للدنيا ومُحبِّيها [4] ، ولما اشتد المرض وتحدث الناس أنه الموت قال لأهله، أحشوا عيْنيّ إثمدًا، وأوسعوا رأسي دُهنًا. ففعلوا وبرّقوا [5] وجهه بالدهن، ثم مُهِّد له فجلس وقال: أسندوني. ثم قال: إئذنوا للناس فليُسلموا عليَّ قيامًا ولا يحبس أحد. فجعل الرجل يدخل فيُسلم قائمًا فيراه متكحِّلًا مُتدهِّنًا، فيقول متقوِّل الناس: هو لمّا به [6] ، وهو أصح الناس، فلما خرَجوا من عنده [7] تمثل معاوية بقول أبي ذؤيب الهذلي الشاعر:

وتجلدي للشامتين أريهم

أني لريب الدهر لا أتضعضع

وإذا المنية أنشبت أظفارها

ألفيت كلَّ تميمة لا تنفع

وكان به النقابة [8] ، فمات من يومه ذلك [9] ، وكان يقول لما نزل به الموت: يا ليتني كنت رجلًا من قريش بذى طوى ولم أَلِ من هذا الأمر شيئًا [10] ، ومن الشعر الذي تمثل به أيضًا قول الشاعر:

إن تناقش يكن نقاشك يا ربِّ

عذابًا لا طوق لي بالعذاب

أو تجاوز تجاوز العفو فاصفح

عن مسيءٍ ذنوبه كالتُّراب [11]

وقال رضي الله عنه وهو يُقَلبّ في مرضه، وقد صار كأنه سعفة محترقة: أي شيخ تقلِّبون إن نجاه الله من النار غدًا [12] ؟، وقال الحسن البصري: دُخل علىمعاوية وهو بالموت، فبكى، فقيل: ما يبكيك؟

قال: ما أبكي على الموت أن حل بي، ولا على دنيا أخلفها ولكن هما قبضتان: قبضة في الجنة، وقبضة في النار، فلا أدري في أي القبضتين أنا [13]

(1) البداية والنهاية (11/ 455) .

(2) البداية والنهاية (11/ 455) .

(3) الحواصل جمع حوصلة وحوصلة الطائر بمنزلة المعدة للإنسان.

(4) البداية والنهاية (11/ 455) .

(5) برَّقوا: لمَّعوا.

(6) لما به: اقترب أجله.

(7) البداية والنهاية (11/ 456) .

(8) النقابة: قرحة تخرج في الجنب وتهجم الجوف.

(9) البداية والنهاية (11/ 456) .

(10) المصدر نفسه (11/ 456) .

(11) البداية والنهاية (11/ 456) .

(12) البداية والنهاية (11/ 457) .

(13) كتاب المحتضرين صـ199، سكب العبرات (1/ 190) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت