وكنت كذي طمرين عاش ببُلْغةٍ
من العيش حتى زار ضيق المقابر [1]
وقد أوصى معاوية بنصف ماله أن يرد إلى بيت المال كأنه أراد أن يُطيَّب له، لأن عمر بن الخطاب قاسم عمّاله [2] . وذكروا أنه في آخر عمره اشتد به البَرْدُ فكان إذا لبس أو تغطَّى بشيء ثقيل يَغُمُّه، فاتُّخذ له ثوب من حواصل الطير [3] ، ثم ثقل عليه بعد ذلك، فقال: تبًَّا لك من دار ملكتك أربعين سنة، عشرين أميرًا، وعشرين خليفة، ثم هذا حالي فيك، ومصيري منك، تبًا للدنيا ومُحبِّيها [4] ، ولما اشتد المرض وتحدث الناس أنه الموت قال لأهله، أحشوا عيْنيّ إثمدًا، وأوسعوا رأسي دُهنًا. ففعلوا وبرّقوا [5] وجهه بالدهن، ثم مُهِّد له فجلس وقال: أسندوني. ثم قال: إئذنوا للناس فليُسلموا عليَّ قيامًا ولا يحبس أحد. فجعل الرجل يدخل فيُسلم قائمًا فيراه متكحِّلًا مُتدهِّنًا، فيقول متقوِّل الناس: هو لمّا به [6] ، وهو أصح الناس، فلما خرَجوا من عنده [7] تمثل معاوية بقول أبي ذؤيب الهذلي الشاعر:
وتجلدي للشامتين أريهم
أني لريب الدهر لا أتضعضع
وإذا المنية أنشبت أظفارها
ألفيت كلَّ تميمة لا تنفع
وكان به النقابة [8] ، فمات من يومه ذلك [9] ، وكان يقول لما نزل به الموت: يا ليتني كنت رجلًا من قريش بذى طوى ولم أَلِ من هذا الأمر شيئًا [10] ، ومن الشعر الذي تمثل به أيضًا قول الشاعر:
إن تناقش يكن نقاشك يا ربِّ
عذابًا لا طوق لي بالعذاب
أو تجاوز تجاوز العفو فاصفح
عن مسيءٍ ذنوبه كالتُّراب [11]
وقال رضي الله عنه وهو يُقَلبّ في مرضه، وقد صار كأنه سعفة محترقة: أي شيخ تقلِّبون إن نجاه الله من النار غدًا [12] ؟، وقال الحسن البصري: دُخل علىمعاوية وهو بالموت، فبكى، فقيل: ما يبكيك؟
قال: ما أبكي على الموت أن حل بي، ولا على دنيا أخلفها ولكن هما قبضتان: قبضة في الجنة، وقبضة في النار، فلا أدري في أي القبضتين أنا [13]
(1) البداية والنهاية (11/ 455) .
(2) البداية والنهاية (11/ 455) .
(3) الحواصل جمع حوصلة وحوصلة الطائر بمنزلة المعدة للإنسان.
(4) البداية والنهاية (11/ 455) .
(5) برَّقوا: لمَّعوا.
(6) لما به: اقترب أجله.
(7) البداية والنهاية (11/ 456) .
(8) النقابة: قرحة تخرج في الجنب وتهجم الجوف.
(9) البداية والنهاية (11/ 456) .
(10) المصدر نفسه (11/ 456) .
(11) البداية والنهاية (11/ 456) .
(12) البداية والنهاية (11/ 457) .
(13) كتاب المحتضرين صـ199، سكب العبرات (1/ 190) .