المسلمين إلا المعروف بالنصيحة لهم، والتوفير عليهم، وأداء الأمانة فيها استرعى [1] ، ولم تكن سياسته في التورع عن أموال المسلمين سياسة طبقها على خاصة نفسه فقط بل أزم بها عمّاله وولاته، فقد كتب إلى عامله أبي بكر بن حزم: أن أدق قلمك، وقارب بين أسطرك، فإني أكره أن أخرج من أموال المسلمين مالًا ينتفعون به [2] ، وقد ساس رعيته سياسة رحيمة، وأمَّن لهم عيشًا رغيدًا وكفاهم مذلة السؤال، فقسم فضول العطاء في أهل الحاجات [3] ، وقسم في فقراء أهل البصرة ثلاثة دراهم لكل إنسان، وأعطى الزمنى خمسين خمسين [4] ، وطلب من عماله أن يجهزوا من أراد أداء فريضة الحج [5] ، وكتب إلى عماله: أن اعملوا خانات في بلادكم فمن مر بكم من المسلمين، فاقروهم يومًا وليلة وتعهدوا دوابهم فمن كانت به علّة فاقروهم يومين وليلتين، فإن كان منقطعًا به فقوّوه بما يصل به إلى بلده [6] ، وقد عزّ في زمن عمر وجود من يقبل الزكاة يقول عمر بن أسيد: والله ما مات عمر بن عبد العزيز حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون، فما يبرح يرجع بماله كله قد أغنى عمر الناس [7] ، وكانت حرمة المسلمين فوق كل الأموال فقد كتب إلى عماله: أن فادوا بأسارى المسلمين، وإن أحاط ذلك بجميع مالهم [8] ، ولاتزال خلافة عمر بن عبد العزيز حجة تاريخية، على كل أولئك الذين يشككون في إمكانية إقامة نظام اقتصادي إسلامي وبرهانًا ساطعًا على أن الاحتكام للشريعة الربانية هو وحده الذي يكفل للناس السعادة في الدنيا والآخرة [9] .
ج ـ مبدأ العدل:
فقد كان فيه لعمر القدح المعلاّة، وكان بحق وارثًا فيه لجدّه لأمه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقد ضرب فيه على النقود عبارة: أمر الله بالوفاء والعدل [10] ، وطلب أن لا يقام على أحد حد إلا بعد علمه [11] ، وكتب لعامله الجراح بن عبد الله الحكمي أمير خراسان:
(1) تاريخ الطبري، نقلًا عن التجديد في الفكر الإسلامي صـ81.
(2) سير أعلام النبلاء (5/ 595) .
(3) تاريخ الطبري، نقلًا عن التجديد في الفكر الإسلامي صـ81.
(4) تاريخ الطبري (7/ 474) .
(5) تاريخ الطبري (7/ 474) .
(6) المصدر نفسه (7/ 472) .
(7) سير أعلام النبلاء (5/ 588) .
(8) سيرة عمر لابن الجوزي صـ120.
(9) خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز صـ41 ـ 42.
(10) سيرة ومناقب عمر بن عبد العزيز لابن الجوزي صـ98.
(11) تاريخ الطبري (7/ 474) .