ويبدو أن أقرب الشعراء لقلب عمر هو سابق البربري [1] ، فكان يعظ عمر وينشده الشعر فيتأثر عمر ويبكي وذات يوم دخل سابق البربري وهو ينشد شعرًا فانتهى في شعره إلى هذه الأبيات:
فكم من صحيح بات للموت آمنًا ... أتته المنايا بغتة بعدما هَجَع
فلم يستطع إذ جاءه الموت بغتة ... فرارًا ولا منه بقوَّتِهِ امتنع
فأصبح تبكيه النساء مُقَنَّعًا ... ولا يسمع الداعي وإن صوته رفع
وقُرّبَ من لحدٍ فصارَ مقيله ... وفارق ما قد كان بالأمس قد جمع
قال الرواي: ميمون بن مهران: فلم يزل عمر يبكي ويضطرب حتى غشي عليه فقمنا، فانصرفنا عنه [2] .
وقد قال سابق البربري قصيدة طويلة فيها مواعظ وحكم، تأثر بها عمر بن عبد العزيز تأثرًا بالغًا. وهي:
بسم الذي أنزلت من عنده السُّوَرُ ... والحمد لله أما بعد يا عمر
إن كنت تعلم ما تأتي وما تذر ... فكن على حذر قد ينفع الحذر
واصبر على القدر المجلوب وارض به ... وإن أتاك بما لا تشتهي القدر
فما صفا لامرئٍ عيش يُسَرُّ به ... إلا سيتبع يومًا صفوه كدر
واستخبر الناس عما أنت جاهله ... إذا عميت فقد يجلو العمى الخبر
قد يرعوي المرء يومًا بعد هفوته ... وتحكم الجاهلَ الأيام والعبر
من يطلب الجور لا يظفر بحاجته ... وطالب الحق قد يُهدى له الظَّفرُ
وفي الهدى عبرٌ تشفى القلوبُ بها ... كالغيث ينضُر عن وسميِّه [3] الشجر
وليس ذو العلم بالتقوى كجاهلها ... ولا البصير كأعمى ماله بَصرُ
والرُّشد نافلة تُهدى لصاحبها ... والغيُّ يكره منه الوِرْدُ والصَّدر [4]
وقد يوبق [5] المرءَ أمرٌ وهو يحقره ... والشيءُ يا نفسُ ينمى وهو يُحَتَصرُ
لا يشبع النفس شيء حين تحرزه ... ولا يزال لها في غيره وطر
ولا تزال، وإن كانت لها سعة ... كما تُعيِّرُ لون اللمة الغِير [6]
(1) شاعر من الزهاد له كلام في الحكمة والرقائق وهو من موالي بني أمية، والبربري لقلب له ولم يكن من البربر سكن الرقة، وكان يفد على عمر بن عبد العزيز الأعلام (3/ 69) .
(2) الكتاب الجامع لسيرة عمر (2/ 612) سيرة عمر بن عبد العزيز، عفت وصال حمزة صـ184.
(3) الوسمي: المطر في أول الربيع.
(4) الورد: الماء الذي يورد والقوم يردون الماء: الصّدر: الرجوع عن الماء.
(5) يوبق: يُهلك من وبق.
(6) الغِير: كما تغير الأحداث.