والعقوبات الكونيَّة أعظمُ مِن العقوبات الشرعيَّة أَخْذًا، وأخْطَر عاقبة، ومِن ذلكم: الختْم على القلوب، وصَمُّ الأسماع، وطَمْس الأبصار، حتى يُحالَ بيْن المرْء وبيْن قلْبه، ويَغفُل عن ذكْر ربِّه، وينسَى نفْسَه، ويُثبَّط عن طاعةِ مولاه، وتُمحَق بركةُ عمرِه ووقته، وسعيه في دِينه ودُنياه، فيفرِّط في الأمانات، وتَضيع عليه بلا فائدة جملةُ الأوقات، وتَذهَب نفسُه عليه عندَ الموت حسرات.
ومِن العقوبات الكونيَّة القدرية العامَّة ما يَبتلي الله بها الناسَ عندَ ظهور المنكرات؛ مِن شيوعِ الفواحِش والجرائم، ونسيانِ ما ذُكِّروا، وفرَحِهم بما أُوتوا، واغترارِهم بالدُّنيا وزُخرفها، وظنِّهم أنهم قادرون عليها؛ مِن ظهور الأمراض الغريبة، واستفحال الأوجاع المستعصية، ومَنْعِهم القَطْر من السماء، وأخْذِهم بالسِّنين، والغلاء وجَوْر السلاطين.
حدَّث عبدُالله بن عمر - رضي الله عنهما - عن رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنه قال: (( ما ظَهرتِ الفاحشةُ في قوم حتى أعْلَنوا بها إلا ابْتُلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافِهم الذين مَضَوا، ولا نقَص قوم المكيالَ إلاَّ ابتلوا بالسِّنين(أي: القحط) وشِدَّة المؤونة (أي: غلاء الأسعار) وجَوْر السلطان (أي: ظُلْمه لهم، وقَهْره إيَّاهم) ، وما منع قومٌ زكاةَ أموالهم إلا مُنِعوا القَطْرَ من السماء، ولولا البهائمُ لم يُمطَروا )).
فانظروا معاشرَ المسلمين صِدْقَ الحديث عنِ المعصوم - صلَّى الله عليه وسلَّم - الذي لا يَنطِق عن الهوى، إنْ هو إلا وحيٌ يُوحَى.