فهي ليلةٌ تعظم فيها للقائمين الغَنائِم، وتُحَطُّ الأوزار وتُغفَر العظائم؛ ولذا كان نبيُّكم - صلَّى الله عليه وسلَّم - يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره؛ فكان إذا دخَل العشر شدَّ المِئزَر؛ أي: اجتهد في العبادة، وشمَّر في الطاعة، واعتَزَل النِّساء، وتفرَّغ للإقبال على ربِّه بتلاوة القرآن والذِّكر والدُّعاء، وكان يُحيِي غالب ليله، ويُوقِظ أهله؛ ليُنافِسوا في الخير، ويفوزوا بعظيم الأجر، ويشهدوا دعوةَ صالحي الأمَّة، ويحضروا مَواطِن تَنَزُّل الرحمة، وقد قال - تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21] ، فتنافَسُوا - رحمني الله وإيَّاكم - في الاجتهاد في العمل الصالح؛ طلبًا للخير في هذه الليالي العظيمة، وإحياءً لهذه الشعائر الكريمة.
أيها المؤمنون:
وممَّا يجب أنْ تعلَمُوه أنَّ ليلة القدر لم تُحدَّد بليلةٍ مُعيَّنةٍ من العشر، فإنَّ الصحيح أنها تتنقَّل في تلك الليالي، فقد تكون في سنةٍ ليلة إحدى وعِشرين، وقد تكون في أخرى ليلةَ سبعٍ وعشرين، وأنها تُطلَب في ليالي الشَّفع كما تُطلَب في ليالي الوتر، فكلُّ ليالي العشر وترٌ، فتُطلَب ليلة ست وعشرين، كما تُطلَب ليلة سبعٍ وعشرين؛ فإنَّ لياليَ الوتر وترٌ بالنسبة لما مضَى، ولياليَ الشَّفع وترٌ بالنسبة لما بقي؛ ولذا قال - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( تحروا ليلةَ القدر في العشر الأواخر من رَمضان ) )، وفي رواية أخرى قال - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان ) ).