فكم من مسلمٍ كفَر بالكلام، وكم من كريمٍ بكلمة واحدة صارَ عُرضة للملام، ورُبَّما لَحِقَه في عِرْضه ودينه الاتهام، ورُبَّ كلمة أشعلتْ فتنة بين الأنَام، وزال بها مُلكٌ وانْتُهِك بها عِرضٌ حرام، وكم من كلمةٍ فرَّقتْ بين الأحِبَّة، وقطعتْ كريمَ صُحْبة، وفَرَّقتْ بين زوجين متحابَّين، بعد كريمِ عِشرة، وطول صُحبة، وكم من بلدةٍ آمِنة مُطمئنَّة اسْتُبيحتْ بيضتُها، وانْتُهكتْ حُرْمتُها، وزالتْ نعمتُها، وأُهين كرامُ أهْلها، بكلمةٍ من أسرار وُلاة أمرها، شاعتْ على ألسنة العوام، فالْتَقَطَها جواسيسُ العدو وأوصلوها إليه فسدَّدوا نحوها السهام، وكم من جيوش تقهقرتْ بعد طول جهاد، وكم من ظُلمٍ وقَعَ على الأبرياء من العباد، بسبب كلمةٍ تلقَّفها سفهاءُ الأحلام.
وصدق الله العظيم إذ يقول في مَعرض الذمِّ لقومٍ أذاعوا مثل هذه الكلمة، وأشاعوها في الناس، فجَنَوا بها على الأُمة: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 83] .
ففي هذه الآية الكريمة - أيُّها المسلمون - ذمٌّ للذين ينقلون خبر السوء ويشيعونه بين الناس دون تعقُّلٍ في نتائج نَقْله، وما يحدثُ عنه من ضَررٍ، وكبير خطرٍ، وفيها تأديب من الله - تعالى - لعباده، يتضمَّن مبدأ التحفُّظ عند سماع الأخبار، والتثبُّت من أحوال نَقَلَتِها وظروف نَقْلها، وعدم التسرُّع في رواية الأخبار ونشْرها، وإن سَمِعها من إذاعة، أو قيل: إنها من مصدر موثوق أو عن ثقة.
وفي الصحيح عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: (( كفى بالمرء كذبًا أنْ يحدِّثَ بكلِّ ما سَمِع ) ).