إنَّ أول تظاهرة غوغائية على الحاكم عُرِفت في الإسلام كانت تظاهرة الخوارج بفِكرة من عبدالله بن سبأ اليهودي، الذي حرَّض على أمير المؤمنين عثمان بن عفان، العابِد الزاهد، الحيي الكريم، المبشَّر بالجنة، والتي قتل فيها عثمان - رضي الله عنه - مظلومًا، وأهين بها أكابرُ الصحابة - رضي الله عنهم - وشاع فيه الرعب والخوف في المجتمع المسلِم، ونشط فيها أهلُ النفاق والدسيسة، وتوقَّفت لسببها جحافلُ الجهاد في سبيل الله، ووقع فيها الاقتتالُ والفتنة بين المؤمنين، وأشمت بهم أعداء الدِّين فلم تصلح الأوضاع بتلك التظاهرة، بل عظمت الفتنة، وتفاقمت المحنة، واشتدَّ الكرب، وعظُم الخطب، ثم تكررت تلك الفتنة والمصيبة، وكل مَن شارك في الخروج على عثمان وتسبَّب في قتله قُتِل أو عاش دهره ذليلًا حقيرًا.
وسند ذلك ما ثبَت عن أبي بكرة - رضي الله عنه - قال سمعتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: (( مَن أهان سلطانَ الله في الأرض - أي: الحاكم العام، وليس في الحديث تقييد بذِكْر صلاحه أو فساده - أهانه الله ) ).
وجاء عن حُذيفةَ - رضي الله عنه - موقوفًا:"ما مشى قومٌ إلى سلطان الله في الأرض ليذلُّوه إلا أذلَّهم الله قَبل أن يموتوا".
قال ابن أبي زَمَنِين شيخُ قرطبة في زمانه:"ومِن قول أهل السنة: أنَّ السلطان ظلُّ الله في الأرض، وأنَّ مَن لم يرَ على نفسه سلطانًا برًّا أو فاجرًا كان على خِلاف السنة".
قلت: وإذا كان السلطانُ - الحاكم العام - ظلَّ الله في الأرض، فإهانتُه والتطاول عليه، ومنازعتُه اختصاصَه، والتحريض عليه، إثمٌ عظيم، وأمرٌ خطير، تكون عقوبته المعجَّلة كونية - كما أسلفت - وما عند الله مِن العقوبة لمن لم يتبْ أعظم وأكبر.
الخاتمة: