فهرس الكتاب
فما أنتم بها عنه هارِبين، ولا بواسِطَتها من ملكوته نافِذِين، ولا بغيره منه مُستَجِيرين؛ {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الذاريات: 50] .
أيها المسلمون:
امتطوا هذه المراكب، واغتَنِموا هذه المواهب، لإِقامة ذِكرِه في أرضه، وهداية عباده إلى أداء حقِّه وفرضه، استَوُوا على ظهورها، واذكُرُوا نعمة ربكم حال استوائكم عليها، وحال سيرها، وامضوا عليها؛ طلبًا للفقه في الدين، وحجاجًا لبيت ربِّكم ومعتَمِرين، ولمسجد نبيِّكم - صلَّى الله عليه وسلَّم - زائرين، امضوا عليها للتجارة، وابتَغُوا من فضْل الله، وادعوا إلى الله، وجاهِدُوا في سبيل الله، وتفقَّدوا أحوال عباد الله، اركَبُوا صَهْوَتَها، واغتَنِموا جدَّتها؛ لصلة الأرحام ولزيارة الإخوة في الإِسلام والعُلَماء الأعلام، اغذوا السير عليها لإسعاف المنكوبين، وإغاثة الملهوفين، وتذكير الغافلين، وتعليم الجاهِلين، والتعاون على كلِّ ما فيه مرضاة ربِّ العالمين، وإغاظة أعداء الدين، وسِيرُوا في الأرض لترَوْا بديع صنْع الله العليم الخلاَّق، وتُشاهِدوا آثارَ أسمائه الحسنى وصفاته العُلا في الأنفس والآفاق.
أيها المسلمون:
لعلَّ من حكمة الله في خلْق هذه المراكب، وإيجاد هذه الوسائل والمطالب، أنَّ الله - تعالى - لَمَّا قضى فيما مضى أنْ يَتقارَب الزمان، وأنْ تحصل الخلطة بين أجناس السكَّان، مع تباعُد الأوطان، وذلك من علامات قرب نهاية الزمان، فسخَّر تلك الأمور للناس هذا الأوان؛ ليستَنفدوا أرزاقهم، وليستَكملوا آثارهم، ويبلغوا ما كتب لهم من آمالهم وأعمالهم، على قصر أعمارهم، فاختُصِرت الدنيا لهم اختصارًا، وأظهر الله لأهل هذا الزمان فيما يحتاجون إليه حكمًا وأسرارًا؛ {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85] ، {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا} [النساء: 122] .
معاشر المسلمين: