فحين ذكَرُوا ربَّهم علِمُوا خطيئتهم فبادَرُوا إلى الاستِغفار، وتجنَّبوا الإصرار؛ ولهذا تكرَّم الله عليهم فوعَدَهم بالمغفرة والجنَّة بقوله: {أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران: 136] .
أيُّها المسلمون:
إنَّ المسارعة في الخيرات صفةٌ جامعة لفنون المحاسِن المتعلِّقة بالنفس وبالغير، وهي من فرط الرَّغبة في الخير؛ فإنَّ مَن رَغِبَ في أَمْرٍ سارَع في تولِّيه والقِيام به، وآثَر الفَوْرَ على التَّراخِي فيه؛ ولذلك يُسابِق إليه إحرازًا لقصب السبق، وحذارًا من الفَوات؛ ولهذا أمَر الله - تعالى - به حيث يقول: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [المائدة: 48] .
واستِباق الخيرات يَتضمَّن المبادَرة إليها وفعلَها على أحسن الوجوه، وتكميلها بإيقاعها على أكمَلِ الأحوال، والخيرات تَشمَل جميعَ الفرائض والنَّوافِل من صلاةٍ وصِيام، وزكاة وحجٍّ وعمرة وجِهاد، وبر الوالدين وصلة الأرحام، ونفع خاص أو عام.
والمسارِع والمُستَبِق في الدنيا إلى الخيرات هو السابِق في الآخِرة إلى الجنَّات؛ قال - تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون: 57 - 61] .