ومِن فضْل الله على المؤمنين، وواسِع لُطْفه بالمسلمين أنْ جعَلَ هذه الصلوات خمسًا مُفَرَّقة على الأوقات؛ لئلا تطول الغَفلة، وتتحقَّق الجَفوة، وتتراكم الخطيئة، فإنما سُمِّيت الصلاة صلاة؛ لأنها تشتملُ على الدعاء، أو لأنها صِلة بين العبد وبين الربِّ في السماء، فالمصلِّي بصلاته مُتصل بربِّه، موصول مِن الله بأنواع فَضْله، وألوان كَرَمِه وبِرِّه، ومِن ذلك أنَّ الصلوات الخمس كفَّارات لما بينهنَّ ما اجتُنبتِ الكبائر، وقد شبَّهها النبي - صلى الله عليه وسلم - بنهرٍ كبير يغتسلُ منه المسلم كلَّ يومٍ خمس مرات، فكما أنَّ ذلك لا يُبقي من دَرَنه - أي: وسخه - شيئًا، فكذلك الصلوات الخمس يَمحو الله بهنَّ الخطايا.
أيها المسلمون، والمحافظة على الصلوات نورٌ للعبد في الظلمات، وسبب لوراثته الفردوسَ أعلى الجنات؛ ففي المأثور المسند وغيره أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ذَكَر الصلاة فقال: (( مَن حافَظ عليها، كانتْ له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة، ومَن لم يحافظْ عليها، لم تكنْ له نورًا ولا برهانًا ولا نجاة ) )، ورُوي عنه - صلى الله عليه وسلم - قال: (( وجاء يوم القيامة ووجْهُه كالقمر ليلة البدر ) )، وفي التنزيل: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 8 - 11] .
أيها المسلمون:
إنَّ موضعَ الصلاة من الدِّين كموضع الرأْس من الجَسد؛ لأنها عمود الإسلام، فإذا سقَطَ العمود هَوَى البنيان، ولا دِينَ لِمَن لا صلاة له، كما لا حياةَ لِمَن لا رأْسَ له، وهي آخرُ ما يُفْقَد من الدِّين، فإذا فُقِدَ الآخرُ، فقد ذهبَ الدِّين كلُّه، وذهب ظلُّه.