فإنْ غلبَه الغضبُ فتمكَّن منه ولم يستطعْ دَفعْه، فعليه بالأمر الثاني: وهو ألا يُنْفِذَ المرءُ مُقتضى غضبه، بل يمنع نفسَه من الأقوال والأفعال التي يقتضيها الغضب؛ فإنَّه إن ظفِرَ بذلك، فكأنَّه لم يغضبْ، وبذلك يكون العبد كاملَ القوة العقليَّة والقوة القلبيَّة، فيكون شجاعًا شديدًا على نحوٍ يحبُّه الله ورسوله؛ كما في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( ليس الشديد بالصُّرَعة - يعني: الذي يصرع الرجالَ - إنَّما الشديد الذي يملكُ نفسَه عند الغضب ) ).
وفي الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - قال لأشج عبدالقيس: (( إنَّ فيك خَصلتين يحبُّهما الله؛ الحِلم، والأناة ) ).
فإنَّ كمال قوَّة العبد في امتناعه أنْ تُؤثِّر فيه قوَّة الغضب وقوَّة الشهوة الآثارَ السيئة الضارة في العاجل والآجل، بل يصرف هاتين القوَّتين في تناول ما ينفعه في الدنيا والآخرة، ودفْعِ ما يضرُّه فيهما، فخير الناس مَن كانتْ شهوتُه وهواه في طاعة الله، على نحو ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - عبد الله ورسوله ومُصطفاه، وكان غضبُه في نُصرة الحقِّ، ودَحْر الباطل على نحو ما كان عليه الصالحون الأوائل، وشرُّ الناس مَن كان صريعَ شهوته وغضبه، فكان من أولياء الشيطان وحِزْبه.
أيها المسلمون، فالغضب غضبان:
• غضب محمود مشروع، وهو ما وقَعَ في مكانه، وهو ما كان غضبًا للدين، وغَيرةً على انتهاك محارم الله، وكان التصرُّف بعده على وَفْق ما يقتضيه العقل الرجيح، وجاء به الدِّين الصحيح، فينبعث حيث تجبُ الحميَّة، وينطفئ حين يَحْسُن الحِلم، وإذا انبعثَ كان على حدِّ الاعتدال، ووقَع التصرُّف المبني عليه على وَفْق الشرع في سائر الأحوال، فيتحقق به جلبُ المصالح وتكميلها، ودَرءُ المفاسد وتعطيلها أو تقليلها.