ثم إن القدر الواجب في تلك الأموال مبلغ يسير لا يجاوز اثنين ونصفا في المئة في الجملة، فهو مقدار في المال يسير وربحه وعائده على أخذه وعلى مخرجه كبير، هو الحكمة من فرضه والحض عليه، فإن ما تخرجونه من زكاتكم «مع قلته ويسره» تزكون به إيمانكم، وأعمالكم وأخلاقكم، وتطهرون وتطيبون به أموالكم، وتستجلبون به بركتها، وبرها، وأجرها، وتتقون به شؤمها، وإثمها، وعقوبتها، وشرها، وتزكون به إخوانكم المحاويج، فتغنونهم به عن ذل السؤال، وحرج مئونة العيال وتفرجون به عنهم الهموم، وتنفسون به الكروب، وتيسرون به على المعسرين، بتحقيق المطلوب، وتغيثون به الملهوفين، وتعينون به مستحقه على العبادة، وتجلبون به لهم السعادة، وتحررون به الغارمين من رق الدين، وتجاهدون به مع المجاهدين، وتتألفون به الناس على الدين، وتتقون به النار،،ترثون به الفردوس منازل الأخيار، فما أجل حكم الله في أحكامه وما أعظم حكمته سبحانه في فرض الزكاة والصدقة على المسلم في بدنه وماله.
أيها المؤمنون:
اعرفوا لفريضة الزكاة قدرها وخطرها، واغتنموا ذخرها وبرها، واحذروا عقوبة جحودها، والبخل بها فإن من بخل بالزكاة يشقى بماله، في عاجل أمره وفي مآله، فما هلك مال من بر ولا بحر إلا بمنع الزكاة ولا شقي عبد بماله فاستعبده حتى نسي الله، وذهب عما يسعده في دنياه وأخره إلا بمنع الزكاة، وما منع الناس القطر من السماء ونزعت البركة مما تخرج الأرض من النبات إلا بمنع الزكاة، وما ابتلي الناس بالضرائب والمكوس التي يخرجونها رغمًا عن أنوفهم من غير رجاء مثوبة ولا خلفٍ في العاجلة والآجلة إلا بسبب منع الزكاة، وما تنغص حياة بعض الناس بالأمراض المستعصية التي حرمتهم لذة التمتع بأموالهم مع كثرتها إلا وهي في الجملة من العقوبات القدرية لمنع الزكاة.
أمة الإسلام: