فلا شريك له في ربوبيَّته، ولا ند له في إلهيَّته، ولا سَمِيَّ له ولا كُفوَ في أسمائه وصفاته، ولا يكون في هذا الملك العظيم في عُلويه وسُفليه حركة ولا سَكنة إلاَّ وقد أحاطَ بها علمُه، ونفَذَ فيها حُكمُه، فوُجِدتْ بعِلمه ومَشيئته، وحَدَثتْ بإحداثه لكمال قُدرته وحِكمته، ومَن هذا شأنه، فهو المستحق لأن يوحَّد بأفعال عباده، بأن يعبدوه بما شَرَع وكما شَرَع، فينقادوا له مختارين مستسلمين، خاضعين مُحبِّين، مُعظِّمين مُجِلِّين، يبتغون إلى ربِّهم الوسيلة أيّهم أقرب، ويرجون رحمته، ويخافون عذابه؛ {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء: 57] .
فيا معشر المسلمين:
وحِّدوا الله بأقوالكم، وأخلِصوا له نيَّاتكم، وانقادوا له بجوارحكم؛ فإنَّ المتفرِّد بالخلق والإبداع، وبتمام الْمُلك وتدبيره على ما هو عليه من العَظَمة والاتساع - هو المستحق لأن يُعبد وحْدَه ويُطاع، ذو الأسماء الحسنى والصفات الكاملة العليا، فيا وَيْح الملحِدين من الكافرين والمشركين وأهْل الابتداع؛ {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [غافر: 14] .
{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} [الحج: 62] .
أيها المسلمون، وأمَّا الأصل الثاني من تلك الأصول العظام، فهو معرفة دين الإسلام، الذي شرَعَه الله وكَمَّله، وأتمَّ به النعمة ورَضِيه، وقال في حقِّ مَن أعْرَض عنه: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85] .
فإنَّ الواجب معرفة هذا الدين بالحجة والبرهان، والاستقامة عليه طَلبًا لرضا الدَّيَّان، وهو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص من الشِّرْك، وهو ثلاث مراتب: