ولقد بين أئمة الفقه والفتوى منزلة العفة، مما بعث الله به نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم من الدين والهدى، فمن قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (( عفوا إذا أعفكم الله -أي أغناكم- بهداه وما قسمه لكم الله - وعليكم من المطاعم بما طاب - أي ولا توغروا بالمتشابه وما في أيدي الناس والحرام- ) )، وقال ابنه عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: (( نحن معشر قريش نعد الحلم والجود والسؤدد، ونعد العفاف، وإصلاح المال المروءة ) )، وأثنى ابن عباس على عبدالله بن الزبير رضي الله عنهم فقال: (( عفيف الإسلام، قارئ للقرآن ) )، وعن محمد بن الحنفية رحمه الله قال: (( الكمال في ثلاثة: العفة في الدين، والصبر على التوائب، وحسن التدبير في المعيشة ) )، وقال أبو قلابة رحمه الله: (( أي رجل أعظم أجرًا من رجل ينفق على عيال صغار يعفهم أو ينفعهم الله به ويغنيهم ) )، وقال الماوردي رحمه الله: إن دين المرء يفضي إلى الستر والعفاف، ويؤدي إلى القناعة والكفاف )) ، ومن قول الفقيه ابن مفلح رحمه الله: (( كان يقال: الشكر زينة الغنى، والعفاف زينة الفقر ) )، ومن قوله أيضًا رحمه الله: (( حق الله تعالى -أي على عبده واجب في حالتي- الغنى والفقر، ففي الغنى العطف والشكر، وفي الفقر، العفاف والصبر ) )، فاتفق كلام هؤلاء الأئمة الأعلام، على أن العفة من حقوق الله تعالى على المكلفين، وأنها من خصال السؤدد، ومعالم المروءة، ومظاهر الشكر، ومن صفات كمل الرجال، ودليل صحة التدين، ومن آثار الحسبة، وآيات الخشية، فهي من ثمرات صحة وصدق العبادة، والزينة عند الشدائد.
أيها المؤمنون: