ولما اقتضت حكمة الله تبارك وتعالى أن يكون رسوله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - خاتم النبيين وأشرف وأعظم المرسلين وأكمل أسوة للمؤمنين، وأن يكون دينه خير وأعظم وأكمل دين، وآخر ما يتعبد به لله رب العالمين قبل يوم الدين، اقتضت حكمة الله كذلك أن يكون دينه كاملًا مبرءًا من النقصان، سمحًا ميسرًا مراعيًا للحال والزمان، وكثر فيه من الشرائع والخصال المكفرة للسيئات والمضاعفة للحسنات، والتي ترفع العبد درجات، وجعل فيه مواسم فاضلة، وخص أماكن مباركة يضاعف فيها العمل والثواب، وخصالًا تعتق بها الرقاب، وفتح ووسع أبواب ووقت المتاب، ونوَّع فيه الأعمال الصالحات، وفرض قضاء ما فات ويسر أمورًا يمكن بها إبراء الذمة بعد الممات من أنواع من الحقوق والواجبات، وجعل من شرائعه وشعائره مهمات تؤدي جماعة تعاونًا على البر والتقوى، وإظهارًا للعلم والهدى وإغاظة للأعداء، ومع هذا كله فمن اعتقاد العمل ثم شُغل عنه أو عجز كتب له ما اعتاد، وإذا شق العمل عظم أجره وعُدَّ من الجهاد، ومن غاب عقله رفع عنه قلم التكليف ومن شاخ في الإسلام كتب له أحسن عمله ولم يكتب عليه سيئه لطفًا من اللطيف، ومن انقطع عمله بموته ووصل له بالعلم الذي ينتفع به والصدقة الجارية بعده، والولد الصالح يدعو له، وكل حسنة منها فعمل بها من بعده.
معشر المؤمنين:
وفوق هذا كله أن المحسن في الإسلام يجزي بمعدل أحسن عمله، ويضاعف له ثوابه، ولم يؤاخذ على إساءته في الجهل، ويعطى زيادة على ذلك ثوابًا غير مقابل عمل، وكذلكم ينتفع المسلم في الإسلام بعد موته بدعوات الداعين، وصدقات المحسنين، وشفاعة الشافعين المرضيين، وتطول رب العالمين الرحمن الرحيم بالعفو عنه، والمغفرة له يوم الدين.
أمة الإسلام: