ترى من المناظر والزخرفة والأقوال المموهة والدعاوي والدعايات الطويلة العريضة التي أخذت بقلوب الرعاع الهمج، فانظر إلى بواطن الأشياء ولا تغرنك الظواهر، وتأمل النتائج الوخيمة؛ فهل أسعدتهم هذه الحضارة في دنياهم التي لا يرجون حياة غيرها فضلًا عن أخراهم؟! ألم ترهم ينتقلون من شر إلى شرور ولا يسكنون في وقت قليل إلا وهم يتحفزون إلى الطامات؟!
ثم هب أنهم متعوا في حياتهم بالعز والرياسات ومظاهر الحياة؛ فهل إذا انحزت إليهم وواليتهم يشركونك في حياتهم ويجعلونك كأحدهم؟
كلا والله، إنهم إذا رضوا عنك بمظاهرتك إياهم جعلوك من أخس خدامهم وأقذر أجرائهم، يقضون بك وطرًا، ويجعلونك مصيدة لهم يصطادون بها كل من لا بصيرة عنده؛ فالله الله يا هذا في دينك! والله الله في مروءتك وأخلاقك وأدبك وفي بقية رمقك! فالانضمام إلى هؤلاء هو والله الهلاك.
فلما سمع هذا الكلام وتأمل جميع الوسائل التي تنال بها
الأغراض من أولئك الأقوام؛ فإذا هي مسدودة؛ فلا دين ولا دنيا، ولا راحة قلب ولا بدن ولا سلامة، عرف أنه من المغرورين، وأن الواجب عليه متابعة الناصحين، وأن الرجوع إلى الحق الذي فيه سعادة
الدنيا والآخرة خير من التمادي على الباطل الذي يحتوي على الضرر العظيم؛ فقال لصاحبه: كيف لي بالرجوع، وأنّى لي وقد انحزت إلى أولئك النزوع؟
فقال له صاحبه: ألم تعلم أن من أكبر فضائل الإنسان أن يتبع الحق الذي تبين له ويدع ما هو عليه من الباطل، وأن الموفق الحازم هو الذي