فدخل كل واحد مستشفى غير مستشفى أخيه، وبعد مدة لم تدعه الأشواق حتى زارهما وعادهما فبدأ بأحدهما، فوجده كاسف البال، ضعيف الحال، قد ملكته الأحزان، وطالت به الآلام، ولم يزل مرضه الذي كان يعهد، بل زاد؛ فلم يملك الأب الرحيم نفسه من البكاء والحزن على ما شاهد من ابنه.
فقال: يا بني! ما الذي صيرك إلى ما رأيت؛ ألم أتخير لك أحسن ما عرفت من المستشفيات الراقية؟! ألم أصحبك من يقوم بجميع ما يلزم ويتعاهد خدمتك؟!
فقال: يا أبتِ! هو ما رأيت، ما هو إلا أن فارقتك ونسيت ما قلت لي وأوصيتني فيه، وأشغلني مرضي، وكثرت مخاوفي وأفكاري الضارة، وزاد مرضي، إني مع قوم وبين أناس قد قضوا أوقاتهم بالغفلة والإعراض عن الله وعن ذكره؛ فابتلوا بالهموم، وجعلوا يتسلون عن ذلك كما زعموا بالألعاب الضارة: الشطرنج والنرد ونحوها؛ فلم تزدهم إلا مرضًا إلى مرضهم وهمًّا إلى همهم، فسلكت مسلكهم وأصابني يا أبت ما أصابهم، فيا أسفا يا أبت! قد اجتمع عليَّ مرض قلبي ومرضي الذي ذهبت لعلاجه، ودب اليأس إلى قلبي حتى كاد يغمره؛ فالآن يا أبت قد بقي فيّ بقية رمق ونوع رجاء إن أخرجتني منهم وصحبتني؛ فإني مع ذلك لم أجد عند المباشرين لعلاجي إلا شراسة الأخلاق وصعوبة العلاج وعدم النجاح والهلع والطمع المتجاوز للحد؛ فاستصحبني يا أبت ما دام فيّ بقية صحبك الله بكل خير؛ فَرَقَّ له والده فأجاب [سؤال] [1] ورثى لسوء مصيره وحاله، وعرف الابن التعس أن
(1) ـ كذا في الأصل، ولعل الصواب:"هذا قوله لوالده فأجاب سؤاله".