فهرس الكتاب

الصفحة 331 من 1738

فإذا تأملت ما ذكرناه، استبان لك قصور من قال: إن"ما"مع الفعل في هذا كلِّه سوى الأول في [1] تأويل المصدر، وأَنه لم يَقْدر المعنى حق قدره، فلا لصناعةِ النحو وُفِّق، ولا لفهم التفسير رُزِق، وأنه تابع الحَزَّ وأخطأَ المَفصِل، وحامَ ولكن ما وَرَدَ المنهل.

وأما قوله عز وجل: {لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) } [الكافرون: 2 - 3] فـ"ما"على بابها، لأنها واقعة على معبوده - صلى الله عليه وسلم - على الإطلاق؛ لأن امتناعهم من عبادة الله ليس لذاته، بل كانوا يظنون أنهم يعبدون الله، ولكنهم كانوا جاهلين به؛ فقوله: {وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) } [الكافرون: 5] أي: أنتم لا [2] تعبدون معبودي، ومعبوده هو - صلى الله عليه وسلم - كان غارفًا به دونهم، وهم جاهلون به. هذا جواب بعضهم.

وقال آخرون: إنها هنا مصدرية لا موصولة، أي: لا تعبدون عبادتي، ويلزم من تبريتهم عن عبادته تبريهم [3] من المعبود؛ لأن العبادة متعلِّقة به، وليس هذا بشيء! إذ المقصود براءته من معبوديهم، وإعلامه أنهم بريئون من معبوده -تعالى- فالمقصود المعبود لا العبادة.

وقيل: إنهم كانوا يقصدون مخالفته - صلى الله عليه وسلم - حسدًا له، وأَنَفَةً من اتباعه، فهم لا يعبدون معبودة، لا كراهية لذات المعبود؛ ولكن كراهية لاتباعه - صلى الله عليه وسلم -، وحرصًا على مخالفته في العبادة، وعلى هذا فلا يصح في النظم البديع والمغنى الرفيع إلا لفظ"ما"؛ لإبهامها ومطابقتها الغرض الذي تضمنته الآية.

(1) (ظ ود) :"فمن".

(2) (ظ) :"لا أنتم".

(3) (ظ) :"تبريهم عن عبادته تنزيههم".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت