فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 381

وللامتزاج والتمكن مراتب: عليا، دنيا، ووسطى، وعلى حسب تفاوتها، تتفاوت مقادير الكلام، وأهله.

واعلم أنه لا فضيلة للفظ المفرد على مرادفه، وما يؤدي معناه، لذاته، بل لاختصاصه عليه ببعض الصفات السبع المتقدمة، وإنما يكتسي الكلام منظرا أنيقا، ورونقا بهيجا بالتأليف والتركيب. وهذه قاعدة لا تخص الكلام، بل تطرد في سائر المركبات فإن كل تركيب فإنما يزداد لزيادة فائدة لم تكن حال الإفراد، كتركيب الأدوية من مفرداتها، والأبنية من آلاتها، والإنسان من أعضائه وأجزائه لفوائدها المتعلقة بالتركيب. وجمال الأشياء وحسنها تابع لفوائدها إذ ما لا فائدة فيه قبيح رديء، وما فيه فائدة حسن جميل. فإذن جمال المركبات وحسنها تابع لتأليفها، ثم يشهد لذلك في الكلام وجهان:

أحدهما: أن الألفاظ المفردة قد تكون بحيث لا تعبأ النفوس بها، فإذا ركبت مالت واشرأبّت إليها، وما ذاك إلا لأجل التركيب.

الثاني: أن القرآن الكريم في أعلى رتب البيان، ولقد أعجز أهل اللسان، ولا فضل له على كلامهم، إلا من حيث التأليف لأن مفرداته متداولة بينهم جميعا قبل نزوله، وإلا لم يكن عربيا، وإن شئت فاعتبر قوله تعالى: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [1] . وقوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ، يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ، هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [2] . فكل واحدة من هاتين الآيتين تضمنت ست جمل، فانظر إلى شدة امتزاجه، وارتباطه، وأخذ بعضه بأعناق بعض، وتمكن ألفاظه، بحيث لو نقلت أى لفظة أو جملة منه عن مكانها، لاختلّ نظمه،

(1) سورة هود آية 44.

(2) سورة المنافقون آية 4.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت