وانطمست بهجته، مع كثرة فصوله، وتعدد جمله، فبهذه الصناعة اختص القرآن على سائر الكلام.
قال ابن الأثير [1] : ومن الدليل على ذلك: أن الكلمة الواحدة تكون حسنة رائقة في كلام، ثقيلة مستهجنة في آخر، كقول الحماسي [2] :
تلفّتّ نحو الحيّ حتى وجدتني ... وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا
وكقول أبي تمّام [3] :
يا دهر قوّم أخدعيك فقد ... أضججت هذا الأنام من خرقك
فإن للفظ الأخدع في بيت أبي تمام من الكراهة والثقل أضعاف ما لها في بيت الحماسي من الروح والخفة.
وفي كلامه نظر من وجهين:
أحدهما: أنّا لا نسلم ثقلها في بيت أبي تمام، بل هي فيه أفصح منها في بيت الحماسي لأنها فيه حقيقة، وفي بيت أبي تمام مستعارة، والاستعارات أفصح من الحقائق في الصناعة.
الثاني: سلمنا ذلك، لكن لم قلت إن اللفظة في البيتين مستوية من كل وجه، وظاهره أنها ليست كذلك، إذ هي في بيت الحماسة مفردة، وفي بيت أبي تمام مثنّاة، فلعلّ الثقل أتاها من جهة التثنية، فإنه معنى زائد على مجرد اللفظة، فتؤثر فيها ثقلا،
(1) الجامع الكبير ص 66والمثل السائر 1/ 384.
(2) هو الصمة بن عبد الله بن طفيل القشيري من قصيدة مطلعها:
حننت إلى ريّا ونفسك باعدت ... مزارك من ريّا وشعباكما معا
ديوان الحماسة 2/ 56، الليت صفحة العنق، والأخدع عرق فيها.
(3) من قصيدة يمدح بها محمد بن الهيثم مطلعها:
قد مات محل الزمان من فرقك ... واكتن أهل الإعدام في ورقك
ديوان أبي تمام 210