وتزويقها، وأهملوا المعاني، وزعموا أن العرب تصنع ذلك فقالوا لنا: إنهم أسوة، واستروحوا إلى قول الشاعر [1] :
ولما قضينا من منى كلّ حاجة ... ومسّح بالأركان من هو ماسح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطيّ الأباطح
قالوا: وهذه ألفاظ مطربة، وللألباب مذهبة، لحسنها وبهجتها ورونقها، ولا طائل من المعنى تحتها إذ حاصل معناها: أنا لما فرغنا من الحج، ركبنا الطريق راجعين نتحدث على ظهور دوابنا [2] .
والجواب: أنا لا نسلم أن العرب راعت اللفظ، وأهملت المعنى، وإنما هذا كلام من لم يدرك مغزى كلامهم، كيف وزهير بن أبي سلمى، كان لا ينشد قصيدة حتى يمضي لها بعد إتمام نظمها سنة، فتتضح معانيها، وتهذب ألفاظها؟ ولهذا صار كلامهم أصلا يبنى عليه، ويفزع في محافل الحاجات إليه، ثم لو صح ما ذكروه من مساواتهم للعرب في تنميق اللفظ، وإهمال المعنى، لوجب أن لا يكون بين كلامهم وكلام العرب تفاوت في الرصانة والشرف، وإجماع أهل الصناعة اللسانية، أن كلام العرب لا يساويه غيره.
وأما ما ذكروه من البيتين اللذين زعموا أن لا طائل لمعناهما، فوهم بيّن، وخطأ فاحش، ومن أنعم النظر فيهما، علم أن معناهما أشرف من لفظهما، ولنشر إلى يسير من ذلك، فنقول [3] :
هذا الشاعر عاشق مغلوب، وهو مع ذلك متستر، فلما غلبه العشق على أن قال «قضينا من منى كل حاجة» يشير إلى اجتماعه بمحبوبه، وقضائه وطره منه، تدارك أمره سريعا، فقال «ومسح بالأركان من هو ماسح» ليوهم السامع أن حاجتنا التي قضيناها
(1) تنسب هذه الأبيات إلى كثير عزة، وقيل لا بن الطثرية، أو لعقبة بن كعب بن زهير بن أبي سلمى.
(2) انظر الخصائص 1/ 218.
(3) انظر هذا التحليل في الخصائص لا بن جني 215وما بعدها، والمثل السائر 652وما بعدها، والجامع الكبير ص 70.