وذكر أيضا من ذلك قوله [1] :
وتقاسم الناس السخاء مجدّدا ... وذهبت أنت برأسه وسنامه
وتركت للناس الإهاب وما بقى ... من فرثه وعروقه وعظامه
قال: فاستعار للسخاء رأسا وسناما وإهابا وعروقا وعظاما، وما قنع بذلك حتى استعار له فرثا، فصار السخاء جملا على الحقيقة.
قلت: وهذا ليس بقادح في الاستعارة لأنه استعارة محسوس لمعقول، والجمل من أشهر المحسوسات عند العرب، وكانوا به أكثر تمثيلا، لهذا لما سأل بعض خلفاء السلف الفرزدق من أشعر الناس؟ قال: إنما مثل الناس، كمثل جزور يجر، فأخذ امرؤ القيس سنامه [2] ، والنابغة الذبياني لبّه، وجاء زهير فأكل من أطايب لحمه، وجئنا نحن فلم نلق إلا الفرث والدم. وأظن أبا تمام بلغته هذه القضية فنقلها من الشعر إلى السخاء لكونهما معنيين، ولم يعب أحد على الفرزدق، ويقل له جعلت الشعر جملا على الحقيقة، والاستعارة في الحقيقة هي التشبيه في المعنى [3] .
وذكر من ذلك قول بعضهم:
إلى ملك في أيكة المجد لم يزل ... على كبد المعروف من نيله برد [4]
فقال: الاستعارتان بعيدتان، لكن استعارة الأيكة للمجد أقرب من استعارة الكبد للمعروف، ومن له أدنى ذوق يعلم أن هذه استعارة جيدة لا بأس بها.
(1) من قصيدة يمدح بها أبا سعيد الثغري، وفي الديوان: مجزا بدلا من مجذذا، وهما بمعنى، ديوان أبي تمام 298، والإهاب: الجلد، والفرث: ما في الكرش من السرجين.
(2) فأخذ رأسه بدلا من سنامه. «الجمهرة 1/ القرشي» .
(3) في الأصل: والاستعارة هي الحقيقة التشبيه في المعنى، ولعلها سبق قلم من الناسخ.
(4) البيت لأبي تمام من قصيدة يمدح بها محمد بن الهيثم بن شبانه