أحدهما: أن الكثب: هي الألبان، واحدتها كثبة، والمشابهة بين الموت واللبن بعيدة، ثم لم يكفه ذلك حتى جعل منها رائبا وحليبا.
الثاني: أن من شأن الموت أن يستعار له ما يكره، لا ما يستطاب.
وعندي أنه جازف في هذا، وجار على أبي تمام فإن هذه الاستعارة في غاية العلو، وليست في غاية السقوط، كما زعم وذلك لأنه لا خلاف أن الموت مستعار فيه اسم السقي والتجريع كقول القائل [1] :
أسود شرى لاقت أسود خفية ... تساقوا على حرد دماء الأساود
فأبو تمام استعار لفظ السقي في سياق ذكر الموت، ثم لما رأى أن بعض بني هذه الحرب اخترم في أوائلها سريعا، وبعضهم تراخى عنه الموت وأبطأ إلى آخر الحرب، ثم وافاه، رأى أن أشبه الأشياء بحالهم سرعة وإبطاء: اللبن الحليب الرائب لأنه يسمّى حليبا عقيب حلبه، ورائبا إذا تراخى عن زمن حلبه، فاستعار لفظ اللبن لمناسبة حال بني هذه الحرب صفة الحليب. والرائب في التعقيب والتراخي، ولعمري إن هذا تصرف حسن، وقريحة جيدة، وإن الله يأمر بالعدل.
وأما قوله: إنما يستعار للموت، ما يكره لا ما يستطاب، فجوابه النقض.
يقول الحماسي:
سقيناهم كأسا سقونا بمثلها ... ولكنّهم كانوا على الموت أصبرا [2]
والكأس ظاهرة في الخمر. وهي ما يستطاب غاية الاستطابة، ولهذا رتب على شربها الحد زجرا عنها، فلئن قال: إنها استعارة هنا بجامع ما يلحق السكران من غيبة السكر المشبهة لغيبة الموت، قلنا: وأبو تمام استعار لفظ اللبن لأنه جعل أحد قسميه رائبا. وفي الرائب حموضة أو مزوزة مستكرهة، ولما سبق من مناسبة التراخي، وذكر الحليب لما ذكرنا من مناسبة السرعة
(1) قاله الأشهب بن رميلة. اللسان: مادة حرد
(2) قاله زفر بن الحارث الكلابي حماسة أبي تمام