فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 381

ومنه قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ} [1] فمثّل البخل بغلّ اليد إلى العنق وكنّى به عنه لعدم تمكن البخيل من بسط اليد بالعطاء كالمغلول، ولقبح صورة الغلّ ونفرة النفوس منه، وكونه مؤلما للمغلول مبالغة في تنفيره عنه، وتنبيه على أن في البخل ضررا وألما، كما للغلّ.

ومنه قوله تعالى: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} [2]

مثل غيبة المسلمين بأكل لحم الآدمي ميتا، وكنى به عنه إذ الغيبة تمزيق العرض، كما أن أكل اللحم تمزيقه مع الجلد، وذلك قبيح في بداهة العقول [3] ، ثم ترقى في مبالغة التمثيل درجة أخرى بأن جعل اللحم لحم الأخ لأنه أشد كراهة إذ الإنسان يراعي في حق أخيه ما لا يراعي في حق غيره، ويكره له ما لا يكره لغيره، ثم ترقى فيه درجة أخرى بأن جعل اللحم ميتا لأن المغتاب لا يعلم بالغيبة، كما أن الميت لا يحسّ ظاهرا بأكل لحمه، ثم وصل بذلك لفظ الكراهة مبالغة في التنفير.

ومنه قول ابن الدّمينة [4] :

أبيني أفي يمنى يديك جعلتني ... فأفرح، أم صيّرتني في شمالك؟

فكنّى عن الإكرام بجعله في يمناها، وعن الإهانة بجعله في شمالها لأن اليمين أشرف من الشمال حسا وشرعا، ولذلك كنّى الله تعالى عن أهل الجنة: ب {أَصْحَابُ الْيَمِينِ} [5] وعن أهل النار ب {أَصْحَابُ الشِّمَالِ} [6] في موضعين من سورة الواقعة:

أولها وآخرها.

(1) سورة الإسراء آية 29.

(2) سورة الحجرات آية 12.

(3) في الأصل: في بداية العقول، وهو خطأ من الناسخ.

(4) هذا البيت من قصيدة له مطلعها:

قفي يا أميم القلب نقض لبانة ... ونشك الهوى ثم افعلي ما بدا لك

ديوانه ص 15وانظر دلائل الإعجاز ص 71.

(5) سورة الواقعة آية 28ونصها «وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود»

(6) سورة الواقعة آية 41ونصها «وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال في سموم وحميم» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت