فهرس الكتاب
أي: لا أقبل منك، وكقولهم: «مثلك إذا سئل أعطى» وهو كثير، وهو أسند للكلام، وأرفع لقدر صاحبه. قال ابن الأثير [1] : لكونه يجعل نفسه من جماعة هذه أوصافهم، إشارة إلى تمكّنه فيما وصف به نفسه، إذا تفرد به لم ترس فيه قدمه، كما يقال لمن يمدح: «أنت من القوم الكرام» أي لك فيه سابقة ولست دخيلا فيه.
وعندي فيه نظر لأن تفرد الإنسان بصفات المدح أسند لحاله، وأرفع من شأنه، كما يقال: «فلان جالس من الكرم على رأس سنان» . وليس هذا من قبيل قولهم: «أنت من القوم الكرام» . وقولهم للعربي: «العرب لا تخفر الذمم» [2] . وإنما وجهه عندي أن قول القائل: «مثلي لا يفعل كذا» إشارة إلى أن نفي ذلك عني ليس لذاتي، ولا لكوني إنسانا، بل لصفات جميلة كريمة مكملة قامت بي، فهي تقتضي نفي ذلك أو إثباته إن كان مثبتا لشيء لنفسه، وأن كل من قامت به هذه الصفات فهو مثلي في ذلك، وهو يكنى بنفي شيء عنه، أو إثباته له، عن إثبات صفات الكمال والجمال والكرم لنفسه، ولهذا نرى العقلاء يستحيون من هذا الكلام لكونه كناية عن تزكية أنفسهم بإثبات صفات الكمال لها، ولو كان كما قاله ابن الأثير، لما استحيوا من ذلك، إذ ليس فيه إلا إلحاق أنفسهم بمن يساويهم، وذلك لا يستحيا منه، إن المبادرة إلى الفهم الصحيح من هذا الكلام ما ذكرته، فأما قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [3] فقيل: الكاف زائدة، وإلا لزم إثبات مثله، ونفي مثل ذلك المثل، وهو محال، وقيل: هي على أصلها في التشبيه، و «مثل» بمعنى:
ذات، أي: كذاته شيء على عادة العرب فيه. وقيل: المثلية هنا راجعة إلى الصورة الذهنية إذ لكل معلوم صورة وقع ومنزلة في الأذهان، فتقدير الكلام، ليس كصورة منزلة الله تعالى في النفوس والأذهان شيء. ذكر هذا الوجه لنا شيخنا المرّي وقال: هو تقرير صوفي.
(1) الجامع الكبير ص 161.
(2) أي: لا تنقض العهد، وفي اللسان: أخفرت الرجل: إذا نقضت عهده وذمامه
(3) سورة الشورى آية 11