فهرس الكتاب
نظرت وشخصي مطلع الشمس ظله
إلى الغرب حتى ظله الشمس قد غفل
واصل الكلام: نظرت مطلع الشمس، وشخص ظله إلى الغرب، ففصل بين الفعل والمفعول، كما فصل بين المبتدأ والخبر مما أذهب حلاوة الكلام وأضاع رونقه.
وبين الجيد والرديء قسم متوسط، وهو ما لا فائدة له في الكلام، وإن كان لا يخل بطلاوته وحسنه كقول زهير بن أبي سلمى:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولا لا أبا لك يسأم
فاعترض بين الشرط والجواب دون فائدة تذكر، وإن لم يخلّ بحسن الكلام ورونقه.
الإيجاز والإطناب: ويفرد الطوفي نوعا للإيجاز ونوعا للإطناب:
فالإيجاز هو التعبير عن المعنى الكامل بأقل ما يمكن من الحروف.
واعتناء العرب بهذا النوع شديد، بدليل وضعهم ألفاظا استغنوا بواحدها عن ألفاظ كثيرة غير متناهية كأدوات الاستفهام والشرط ونحوهما، فقولك: أين زيد؟
يغني عن قولك: أفي الدار هو أم في المسجد، واستقراء جميع الأماكن كلها.
وقولك: من يقم أقم معه، أغنى عن قولك: إن يقم زيد أو عمرو أو بكر أو فلان أقم معه.
وذهبت جماعة النقاد إلى أن الإيجاز حسن في الأشعار والمكاتبات ومحاورات الخواص، دون الخطب والمناسبات التقليدية وكتب الفتوح التي تقرأ في ملأ من العوام مراعاة لأفهامهم إذ التطويل أبلغ في حقهم وأجدر ألا يخفى عليهم من المكتوب شيء. وقد رفض ابن الأثير التطويل في مثل هذه الأمور، ووافقه الطوفي على ذلك لأن التطويل يوجب مراعاة العامة في استعمال كلامهم الركيك وألفاظهم المبتذلة لأنهم آنس بها، وآلف لها، ولم يقل به أحد، بل على المؤلف سلوك النهج القويم، والطريق المستقيم، وليس عليه أن يفهم العامة كلامه، كما قال القائل:
عليّ نحت المعاني من معادنها ... وما عليّ بأن لا تفهم البقر
والإطناب عكس الإيجاز، والإيجاز له موضع وهو للخواص، والإطناب له موضع وهو للخواص والعوام.