فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 381

والغرض من التكرار المفيد: تأكيد الأمر وتفخيمه وتعظيمه، كأن يكرر المعنى الواحد لغرضين مختلفين، كقوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة 5) ، فكرر لفظة إياك لأن الغرض منهما مختلف فالأولى تفيد إضافة العبادة إلى الله، والثانية إضافة الإعانة. وتكرار هذا اللفظ آكد وأدل على ضراعة المؤمنين وصدقهم وإخلاصهم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن القرآن في غاية البلاغة والكلام

البليغ يراعي فيه أحوال العبارة بالإضافة إلى المعنى، ولا شك أن: إياك نعبد وإياك نستعين، أعدل مما لو حذفت الثانية، فلو حذفت الثانية لنقصت عن الأولى جزءا، وزال الاعتدال والتناسب.

أما التكرار غير المفيد، وهو ما لم يرد في القرآن، وإنما ورد في الشعر كقول المتنبي:

ولم أر مثل جيراني ومثلي ... لمثلي عند مثلهم مقام

فكرر لفظ (مثل) أربع مرات، وحاصله: إن مقام مثلي بين مثلهم عجيب.

وهو تكرار خال من الفائدة.

وثمة نوع آخر من التكرار، وهو تكرار المعنى دون اللفظ نحو: أطعني ولا تعصني، فالمعنى متكرر، فالأمر بالطاعة هو نهي عن المعصية، والغرض منهما واحد، وهو عدم التمرد عليه والخلاف له.

ومن ذلك قوله تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا}

(النساء 14) ، فذكر تعدي الحدود يؤكد الوعيد على المعصية.

ويخبرنا الطوفي في كتابه الإكسير أن الخطاب بالجملة الاسمية أبلغ وآكد من الخطاب بالجملة الفعلية، وانظر إلى حقيقة ذلك من قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا: آمَنَّا، وَإِذَا خَلَوْا إِلى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا: إِنَّا مَعَكُمْ} (البقرة 14) ، فالمنافقون يخاطبون المؤمنين بقولهم (آمنّا) بالجملة الفعلية، فدلّ على كذبهم، إذ لو صدقوا لأكدوا وأخبروا بالجملة الاسمية، كما قالوا لشياطينهم (إنّا معكم) فدلّ على صدقهم في ذلك.

وكما قال المؤمنون: {رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ} (الدخان 12) ، فإنه أقرهم على ذلك ولم يرد عليهم، في حين أنه رد على الأعراب حين ادعوا الإيمان كذبا: (قالت الأعراب آمنّا) فرد عليهم قائلا: {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا} (الحجرات 14) .

ويخبرنا أيضا أن ورود الكلام بلام التأكيد لا يكون إلا لأمر يعزّ وجوده وفعل

يعظم حدوثه، كقوله تعالى بصدد الزرع والحرث: {لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا}

(الواقعة 65) . وقال في الماء: {لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا} (الواقعة 70) ، بغير لام والفرق بينهما أن صيرورة الماء ملحا أسهل وأكثر من جعل الحرث حطاما إذ الماء العذاب يمر بالأرض السبخة فيصير ملحا، فالتوعد به لا يحتاج إلى تأكيد، بخلاف جعل الحرث حطاما، فإنه على خلاف العادة، فاحتاج التوعد به إلى تأكيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت