ويخبرنا أيضا أن ورود الكلام بلام التأكيد لا يكون إلا لأمر يعزّ وجوده وفعل
يعظم حدوثه، كقوله تعالى بصدد الزرع والحرث: {لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا}
(الواقعة 65) . وقال في الماء: {لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا} (الواقعة 70) ، بغير لام والفرق بينهما أن صيرورة الماء ملحا أسهل وأكثر من جعل الحرث حطاما إذ الماء العذاب يمر بالأرض السبخة فيصير ملحا، فالتوعد به لا يحتاج إلى تأكيد، بخلاف جعل الحرث حطاما، فإنه على خلاف العادة، فاحتاج التوعد به إلى تأكيد.
ومن هذا الباب سؤال اشتهر لكثرة دورانه بين كثير من الناس، وتقريره: لم أكد الله الموت باللام ولم يؤكد الإخبار بالبعث باللام؟ في قوله: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} (المؤمنون 16) ، وقد كان العكس أولى وأنسب إذ البعث مختلف فيه، وهو أحوج إلى التأكيد، بخلاف الموت فإنه لمشاهدته وتحققه عند كل أحد مستغن عن التأكيد.
والجواب عن ذلك: إن المكلفين سمعوا هذا القول من الرسول عليه السلام، فإن كانوا يعتقدون أن الرسول عليه السلام صادق ومعصوم لم يحتج في تصديقه بالبعث إلى التأكيد باللام كأبي بكر مثلا.
وإن كان لمن كذبه كأبي جهل مثلا، فإنه لا يصدق بالبعث، ولو أخبره وأكد له الكلام بكل أدوات التوكيد. وحينئذ لا يظهر للتأكيد أثر.
وفي القرآن الكريم نوع يسمى بالاستدراج، وهو التوصل إلى بلوغ المراد من المخاطب بالتلطف من حيث لا يشعر كقوله تعالى بلسان إبراهيم لأبيه:
{يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا؟ يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا، يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا، يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} (مريم 4542) .
فطلب منه أولا العلّة، والدليل على استحقاق آلهته العبادة، وضمّن ذلك الدليل على أنها لا تستحقها، وهو كونها لا تسمع ولا تبصر، ومن كان كذلك فهو جدير أن لا يغني عنك شيئا، وأنت جدير ألا تعبده، ثم ارتفع عن ذلك يسيرا فقال:
{إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي} ، ولم يصرح له بالتجهيل تأدبا وتلطفا، ثم ارتفع عن ذلك قليلا، فقال: {لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ، عَصِيًّا} ، فيريد أن يجعلك مثله وهو عدوّ له فاقتصر على إخباره بمعصية الشيطان للرحمن، ولم يلتفت إلى عدوانه لأبيه، ثم ارتفع قليلا فتوعده بالعذاب غير مصرح، بل قال: {إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ.} هذا مع تصدير كل جملة من الكلام بقوله {يَا أَبَتِ} تقربا إلى قلبه، واستعطافا له.