فطلب منه أولا العلّة، والدليل على استحقاق آلهته العبادة، وضمّن ذلك الدليل على أنها لا تستحقها، وهو كونها لا تسمع ولا تبصر، ومن كان كذلك فهو جدير أن لا يغني عنك شيئا، وأنت جدير ألا تعبده، ثم ارتفع عن ذلك يسيرا فقال:
{إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي} ، ولم يصرح له بالتجهيل تأدبا وتلطفا، ثم ارتفع عن ذلك قليلا، فقال: {لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ، عَصِيًّا} ، فيريد أن يجعلك مثله وهو عدوّ له فاقتصر على إخباره بمعصية الشيطان للرحمن، ولم يلتفت إلى عدوانه لأبيه، ثم ارتفع قليلا فتوعده بالعذاب غير مصرح، بل قال: {إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ.} هذا مع تصدير كل جملة من الكلام بقوله {يَا أَبَتِ} تقربا إلى قلبه، واستعطافا له.
هذا ما كان من أمر إبراهيم عليه السلام مع أبيه آزر، خطاب في غاية الرقة واللطف والاستعطاف، ثم انظر كيف كان جواب أبيه، كان غاية في الغلظة والشدة والفظاظة قال: {أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا} ، فأنكر عليه رغبته عن آلهته إنكارا عنيفا، فسمّاه باسمه، ولم يقل له: يا بني، كما قال له إبراهيم: يا أبت، وتوعّده بالرجم توعّدا مؤكدا لا تعريضا، كما قال هو له: {إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ} وأمر إبراهيم بهجرانه مليّا إظهارا لتبرئته منه، وجفوته له وكراهته ما جاء به.
فإذا كان اللطف، والاستعطاف يسمى بالاستدراج، فإن ضده وهو العنف والقوة يطلق عليه الطوفي: ضد الاستدراج.
هذه هي أنواع علم البيان المعنوية، وقد ذكر منها الطوفي تسعة وعشرين نوعا أتينا على معظمها، ولم نعرض لها جميعا، وما أهملناه منها لم نذكره لأنه لا يتعلق بالقرآن وبيانه وبلاغته مما لا يحتاج إليه من يتعرض لتفسير القرآن.
* * * هذا، وليس لزاما عليّ أن أذكر ما قمت به من عمل أو ما بذلت من جهد في تحقيق هذا الكتاب من نسخته الفريدة، إذ لا يبلو هذا الجهد إلا المشتغلون بتحقيق التراث، وهم ليسوا في حاجة لمن يخبرهم به.