الفلانية؟ ويعدّد نعمه عليه، ثم يقول: فبأي آلاء تكذب؟ ومعنى هذا الكلام وقوته أنك لا تستطيع تكذيب شيء من ذلك لوضوحه وظهوره، كما يركّب أحد المتناظرين دليلا من مقدمتين قطعيتين، ثم يقول لخصمه: أي المقدمتين تمنع؟ أي: لا يمكنك منع واحدة منهما.
ثم اعلم أن صدر هذه السورة اشتمل على ذكر النعم الدنيوية كخلق الإنسان، وتعلّمه البيان، وخلق الشمس والقمر بحسبان، والنجم: وهو ما لا ساق له من النبات، والشجر: وهو ما له ساق، والنعمة فيهما ظاهرة، ورفع السماء ووضع الميزان للتناصف، وأمن المظالم، ووضع الأرض فيها الفاكهة، والنخل، والحب ذو العصف: يعني الورق والتين تنبيها على أنّ فيه منفعة لكم ولدوابكم، والريحان: وهو المعروف، أو كل نبت طيب الريح، وخلق الإنسان والجان، ووجه النعمة فيه عليهما استمتاع بعضهم ببعض، كما ذكر في الأنعام. وخلق المشرقين والمغربين مجالا للشمس والقمر والنجوم، ليتقوّم بهن نظام العالم، ومرج البحرين:
العذب والملح لينتفع من كل منهما بما جعل له من استخراج الجواهر، وشرب الماء، وأكل الحيتان، ونحو ذلك. وإجراء المراكب في البحور لقيام معايش الخلق، مع ما تضمن بذكرهم بهذه النعم، من التنبيه على عظيم قدرته التي يستحق بها منهم العبادة والتوحيد، فخلق الإنسان والجان العظيمين من عنصرين مشاهدين هما: الطين والنار، على وجه لا يتأتى لغيره تعالى، ونحو ذلك.
ومن هاهنا إلى آخر السورة اشتمل على ذكر أحكام الآخرة من: الموت والبعث، والنار والجنة، كأنه قال: قد ذكرتكم بآلائي عليكم، ونعمائي التي أسديتها إليكم، ثم إني بعد ذلك متوفيكم وباعثكم، فمن كان قابل آلائي بالكفر، أدخلته النار، وهذا حاصل المراد بقوله: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} [1] إلى قوله: {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ. فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [2] .
(1) سورة الرحمن الآية 26.
(2) سورة الرحمن الآية 44، 45.