عن الخشوع الذي هو أكبر مقاصد الدعاء، بدليل أنه عليه السلام قال: «أعوذ بك من عين لا تدمع، وقلب لا يخشع، ونفس لا تشبع، ودعاء لا يسمع، أعوذ بك من هؤلاء الأربع» [1] . وهذا سجع، ولكنه لفصاحته صلّى الله عليه وسلّم لم يتكلفه.
الثانية: قوله صلّى الله عليه وسلّم لحمل بن النابغة لما قال: أأدي من لا شرب ولا أكل ولا نطق، ولا استهلّ، مثل ذلك يطلّ؟: «أسجع كسجع الكهان؟» [2] . فذمّ السجع، وجوابها من وجهين:
أحدهما: أنه ذم سجعه لأنه قابل به حكمه في إنجاب ضمان الجنين، كأنه قال:
أحكم بحكم الله وتقابلني بسجع كسجع الكهان.
الثاني: أنه لم يذم السجع مطلقا، بل ما أشبه سجع الكهان، وإلا لقال:
أسجعا فقط، ثم إنه عليه السلام قد أخرج بعض الألفاظ على أصله القياسي لمراعاة السجع نحو: «ارجعن مأزورات غير مأجورات» [3] .
وكقوله للحسن والحسين: «أعيذ كما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامّة، ومن كل عين لامّة» [4] .
والأصل: موزورات، وملمّة.
ونحوه قوله تعالى: {وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ} [5] والأصل إقامة، وذلك دليل قاطع في فضيلته.
(1) حديث مروي عن عبد الله بن عمر، ذكره النسائي 8/ 255.
(2) سنن النسائي 8/ 49، ونص الحديث «أسجع كسجع الأعراب» وحمل بن النابغة هو حمل بن مالك بن النابغة الذبياني، وفي اللسان «كيف ندي من لا شرب ولا أكل ولا صاح فاستهل ومثل دمه يطل» .
قال صلّى الله عليه وسلّم: «إياكم وسجع الكهان» مادة سجع.
وانظر إعجاز القرآن للباقلاني 58. ط دار المعارف والبيان والتبيين 1/ 288.
(3) رواه ابن الحنيفة عن علي. وهو الجزء الأخير من الحديث.
ابن ماجة 1/ 503.
(4) رواه ابن عباس سنن ابن ماجة 2/ 1165.
(5) سورة الأنبياء آية 73.