فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 381

الثاني: بتقدير أنهم علموا الحديث، لكن الممنوع من الكلام هو العامي أو الضعيف الذي ليس له أهلية الكلام فيه بدليل قوله عليه السلام:

«من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار» صححه الترمذي. أما العلم المتأهل للكلام فيه فليس ممنوعا منه، ذكر ذلك الحسين بن مسعود في مقدمة تفسيره لمفهوم الحديث، ومن هذا يخرج الجواب عن حكاية الصديق لأن سكوته كان عما لا يعلم منه، بدليل قوله «إذا قلت في القرآن ما لا أعلم» وبدليل أنه قد تكلم في أحكام الشريعة بما علم، وليس الكلام في القرآن بأعظم خطرا من الكلام في الأحكام إذ الكل كلام في دين الله تعالى. وأما الأصمعي رحمه الله، فإن كان احتماؤه للكلام فيه بما لا يعلم فهو غاية التوفيق والصواب لأن كلامه إذن فيه يحرم، وإن كان مع العلم فذلك: إما جمود وجبن، وإما خروج إلى السلامة، واكتفاء بمن تكلم فيه قبله، وفي عصره من الأئمة الذين هم حجة عليه وله.

الثالث: لعل علماء السلف رحمهم الله رأوا أن الكلام في القرآن متعيّن عليهم، وأنهم أولى به ممن أتى بعدهم لقربهم من التنزيل ومعرفة التأويل، فيكون ورعهم وزهدهم وخشيتهم هي الحاملة لهم على الكلام فيه خشية أن يدرس من علم شريعة الله ودينه ما لا يمكن تداركه، ورأوا أن الخطأ عنهم في ذلك موضوع كالأحكام الفرعية الاجتهادية، وذلك كما حكي عن موسى بن عقبة [1] لما رأى ما دخل على مغازي النبي صلّى الله عليه وسلّم من الزيادة والنقص، جمع ما صح عنده من المغازي ليحرسها بذلك، ومن الكذب، فأثنى العلماء عليه بها، وحكموا بأنها أصح المغازي. إذا ثبت ذلك، وأن علماء الأمة سلفا وخلفا قالوا في التفسير باجتهادهم مما لم يثبت أخذه بخصوصه من الشارع، وجب وضع قانون يتوصل به إلى علم التفسير، فنقول وبالله التوفيق: كلما أردنا فهم معنى كلام الله عز وجل فلا يخلو: إما أن يكون بيّنا بنفسه كالقسم الأول من قسمي الكلام المذكورين، أو لا، فإن كان فلا إشكال إذ المراد منه هو المفهوم منه

(1) هو موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي عالم بالمغازي، من ثقات رجال الحديث من أهل المدينة، ولد وتوفي بالمدينة، وله كتاب في المغازي. الأعلام للزركلي 8/ 276.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت